آخر تحديث :الثلاثاء-20 أكتوبر 2026-12:56ص

في رثاء العلماء والعباقرة في بلادي .. وندى الموسوعة القضائية لعبقري أبين مختار راجح .

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 11:03 م
علي السليماني


ما أذهلني حقًّا أن أرى رجلًا قضى عمره بين المؤلفات والكتب، بحثًا وتأليفًا وتأصيلًا، حتى أنجز موسوعة قضائية وفقهية وعلمية مقارنة بالفقه الإسلامي وآراء الفقهاء، تتألف من أربعة وثلاثين مجلدًا، وتتناول القوانين العامة والخاصة، شارحةً نصوصها، ومستكشفةً مقاصدها وروحها، في محاولة علمية لبناء منظومة قضائية أكثر كفاءة وعدالة.


إنه الباحث والمستشار والمحامي/ مختار راجح إبن أبين إبن باتيس ، الذي لم يقف عند شرح النص القانوني، بل اتجه إلى معالجة الإشكالات التي تعترض الخصومة القضائية، وتستنزف سنوات من أعمار المتقاضين، حين يطول النزاع بسبب قصور في فهم حقيقته، أو اضطراب في تكييفه، أو خطأ في تحديد طلباته وأدلته، ثم يُعاد الحكم من محكمة أعلى، لتبدأ رحلة أخرى من المعاناة.


إن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في عدد مجلداته فحسب، وإنما في محاولته الانتقال بالقضاء من الوقوف عند ظاهر النص إلى فهم مقاصده، ومن الدوران في الإجراءات إلى إدراك جوهر النزاع، ومن إطالة أمد الخصومة إلى ترسيخ عدالة ناجزة تحفظ الحقوق وتصون كرامة الإنسان.


واللافت أن هذا المشروع، بحسب ما أعلنه صاحبه وما أورده من شواهد وتكريمات، يتصل بثماني نظريات علمية وقضائية، إلى جانب رسالتي الماجستير والدكتوراه اللتين تتناولان جوانب من التأصيل النظري والتطبيق القضائي لهذه الأفكار. كما طرح الباحث آفاقًا للتعاون البحثي مع جامعة عدن في مجال البحث القضائي التطبيقي، بما يفتح الباب أمام توظيف المعرفة القانونية في خدمة القضاء وسيادة القانون والتنمية.


وقد وردت إشادات وتهانٍ من شخصيات ومؤسسات أكاديمية وقانونية، وفق ما أُعلن عن المشروع، وهو ما يثير سؤالًا مشروعًا لا ينبغي تجاهله: إذا كانت هذه الجهود تستحق النقاش والتقييم العلمي، فمن الواجب الوطني ان تحظى بما يكفي من الاهتمام والتعريف على المستوى المحلي في محافظة أبين خاصة وعلى مستوى الوطن عامة. فذلك يعني مستقبل وطن واستفادة أجيال.


اننا هنا نتطلع إلى موقف اصيل من قبل قيادة السلطة المحلية بمحافظة أبين ممثلة باللواء الدكتور مختار الرباش الهيثمي محافظ ابين في استنهاض الهمم وانطلاقاً من ندى الواجب الوطني المسؤول في رعاية هذا المنجز والبحث العلمي الكبير والوقوف إلى جانب إبن أبين العبقري والباحث المستشار القانوني المحامي مختار راجح وإخراج وإظهار هذا الإنجاز الفكري والعملي إلى النور وبلورته في الصروح العلمية والبحثية الوطنية لما يشكله هذا البحث العلمي في عطاء المعرفة لخدمة مستقبل الأجيال المتعاقبة في وطني.

كما نتساءل هنا عن أهمية الدور والواجب الوطني الذي يفترض أن تقوم به المؤسسات الثقافية والأكاديمية والإعلامية في التعريف بالكفاءات الفكرية والمهنية والعلمية التي تنتمي إلى هذه المحافظة والانجازات البحثية والعلمية والثقافية التي يجب تعزيز مكانتها وبلوغ أهميتها إلى مصاف ودور المعرفة الذي تستحقه.


لسنا هنا بصدد المطالبة بتكريم شخص لمجرد أنه ألّف كتابًا، ولا بمنح الألقاب دون تقييم، وإنما نتحدث عن ضرورة إخضاع المشاريع العلمية الجادة للفحص والمراجعة والاستفادة منها، ومساندة وإتاحة الفرصة لأصحابها لعرض أفكارهم أمام المختصين. فالعلم لا يُقاس بالضجيج الإعلامي، كما أن الصمت عنه لا ينتقص بالضرورة من قيمته، لكنه قد يحرم المجتمع من فرصة ثمينة للاستفادة منه.


إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس ندرة العقول وحدها، بل أن تمتلك العقول والطاقات ثم تعجز عن اكتشافها، أو تتركها تعمل في عزلة، بينما تحتاج مؤسساتها إلى البحث والتطوير والإصلاح.


ومحافظة أبين، كغيرها من محافظات الوطن، أولى بأن تحتضن أبناءها المتميزين، وأن تفتح أمامهم أبواب الحوار العلمي، وأن تضع منجزاتهم موضع الدراسة والتقييم، بعيدًا عن المجاملة أو التجاهل، والابتعاد عن المحسوبيات الشخصية التي قد تحجب قيمة العمل عن المصلحة الحقيقة.


وإذا كانت الموسوعة القضائية والفقهية والعلمية التي أنجزها المستشار والباحث مختار راجح تضم أربعة وثلاثين مجلدًا، وإذا كانت نظرياته ورسالتاه الجامعية تمثل مشروعًا يدعو إلى تطوير فهم الخصومة القضائية وتطبيق القانون، فإن الواجب هو أن تجد هذه الأعمال طريقها إلى الجامعات والجهات القضائية ومراكز البحوث، لتُناقش وتُختبر وتُقيَّم، ثم يُستفاد مما يثبت نفعه منها.


فالمؤسسات لا تُقاس فقط بما تصدره من قرارات، بل أيضًا بقدرتها على اكتشاف المبدعين، ورعاية الباحثين، وتحويل المعرفة إلى عمل يخدم الناس.


أما السؤال الذي أتركه أمام قيادة السلطة المحلية في أبين، والمؤسسات الأكاديمية والثقافية والإعلامية، فهو:


لماذا نصمت أمام الجهد العلمي، بينما يفترض أن تكون رعايته مسؤولية وطنية؟ ولماذا لا نجعل من تكريم المعرفة وتقييمها وتشجيع أصحابها ثقافة مؤسسية، بدل أن يظل الباحث وحيدًا في مواجهة طريق طويل من الاجتهاد؟


إن تكريم العلماء ليس منّةً عليهم، بل استثمار في مستقبل الوطن. والإنصاف الحقيقي لا يكون بالتهاني وحدها، وإنما بفتح أبواب البحث، وإتاحة المنابر العلمية، ودعم المشاريع الجادة، وإعطاء كل جهد حقه من التقييم والاهتمام.


فهل تتحرك المؤسسات المعنية لتسمع صوت العلم، وتفتح حوارًا جادًا حول هذا المشروع، أم يبقى السؤال معلقًا في انتظار إجابة؟


إن الأوطان التي تريد النهوض لا تترك عقولها في الظل، بل تمنحها الفرصة لتضيء الطريق للجميع.

وفي ختام هذه السطور المتواضعة اهني وابارك بكل فخر واعتزاز لأخي وصديقي العزيز الباحث والمستشار مختار راجح على هذا الإنجاز العلمي الكبير متمنياً له دوام التوفيق والتقدم والنجاح والازدهار بمشيئة الله تعالى.