لم تكن الصواريخ الباليستية التي استهدفت معسكر العلم التدريبي في محافظة شبوة، صباح اليوم، مجرد هجوم عسكري عابر، بل جريمة دامية استهدفت عشرات المجندين وهم يؤدون طابورهم الصباحي ويتلقون تدريبهم استعداداً للقيام بواجبهم الأمني. إنها لحظة موجعة تختلط فيها مشاعر الحزن والغضب، وتضع الجميع أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تحتمل التهاون: كيف نردع هذا العدو، ونحمي من يقفون في الصفوف الأولى لمواجهته؟
إن سقوط هذا العدد الكبير من القتلى والجرحى في ضربة واحدة يكشف خطورة القدرات التي تستخدمها مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، ويؤكد أن المعركة معها لا تُحسم بالشجاعة وحدها، مهما بلغت تضحيات المقاتلين، وإنما تحتاج إلى يقظة استخباراتية، وانضباط عسكري، وإجراءات صارمة تحول دون تكرار مثل هذه المجازر.
الثأر الحقيقي.. ردع المجرم لا تكرار الخسائر
من حق أسر الشهداء ورفاقهم أن يغضبوا، ومن حق الشعب أن يطالب بالثأر من مليشيا الحوثي التي تواصل استهداف قواتنا الباسلة. لكن الثأر الذي يليق بدماء هؤلاء الشهداء ليس مجرد رد فعل غاضب، ولا اندفاعاً غير محسوب، بل موقف وطني مسؤول يترجم الغضب إلى قوة رادعة، ويجعل مرتكبي الجريمة يدركون أن استهداف الجنود لن يمر بلا محاسبة.
إن الرد على هذه الجريمة يجب أن يكون حازماً ومؤثراً، في إطار العمليات العسكرية في الجبهات، بما يضع حداً لقدرة مليشيا الحوثي الإجرامية على تكرار اعتداءاتها. فالتهاون مع جرائمها يغريها بالتمادي، بينما الردع الفاعل يبدأ بحرمانها من القدرة على تحقيق أهدافها، ومحاسبتها على جرائمها، وتعزيز حماية القوات التي تواجهها.
لا لتجميع الجنود في أهداف مكشوفة
لكن العبرة الأهم التي يجب استخلاصها من مأساة معسكر العلم تتعلق بضرورة مراجعة الإجراءات الأمنية والعسكرية، وعدم التعامل مع تحركات القوات وتجمعاتها باعتبارها تفاصيل روتينية بعيدة عن الخطر.
فإذا صحت إفادات الناجين بشأن تحليق طائرة استطلاع فوق المعسكر خلال الليالي السابقة للهجوم، فإن ذلك يفرض تحقيقاً مهنياً عاجلاً لتحديد طبيعة التهديد، وكيفية رصده، ومدى الاستفادة من المؤشرات المتاحة قبل وقوع الكارثة.
إن مليشيا الحوثي تعتمد على الرصد والاستطلاع وجمع المعلومات عن تحركات خصومها، ولذلك فإن تجمع أعداد كبيرة من الجنود في موقع واحد، وفي توقيت معروف، من دون تدابير حماية كافية، قد يحول المعسكر التدريبي إلى هدف سهل لصواريخها.
وعليه، ينبغي تقليل التجمعات الكبيرة، وتوزيع الأنشطة التدريبية متى أمكن، وتغيير الأنماط الروتينية، وتعزيز التمويه والتحصين والإنذار المبكر، مع رفع مستوى التنسيق الاستخباراتي وتقييم المخاطر بصورة مستمرة. فحماية الأرواح ليست إجراءً ثانوياً، بل جزء أصيل من المسؤولية القيادية.
دماء الشهداء ليست أرقاماً
إن مشهد الجرحى في مستشفيات شبوة، وتوافد المواطنين للتبرع بالدم، يجسد حجم الفاجعة والتضامن الشعبي مع الضحايا. لكن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يكتمل بالبيانات والإدانات، بل برعاية الجرحى وأسر القتلى، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير إن ثبت، واستخلاص الدروس التي تمنع تكرار المأساة.
لقد دفع هؤلاء الشباب حياتهم ثمناً لواجبهم، ولا يجوز أن تتحول دماؤهم إلى أرقام في سجل الحوادث المتكررة. إن شبوة تستحق موقفاً بحجم التضحية، ومواجهة تضع حداً لجرائم الحوثي، وقيادة تجعل حماية المقاتلين أولوية لا تقبل المساومة.
فالعدو الذي يرصد تحركاتنا يجب ألا يجد ثغرات يستثمرها، والغضب الذي أشعلته هذه الجريمة يجب أن يتحول إلى وعي وانضباط وقوة. تلك هي الرسالة الأهم من معسكر العلم: الثأر للشهداء يبدأ بمنع سقوط ضحايا جدد، وينتهي بردع المجرم ومحاسبته.