آخر تحديث :الثلاثاء-20 أكتوبر 2026-12:56ص

عودة التفاهمات السعودية الإماراتية.. لماذا لن نعود إلى المربع الأول؟

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 09:57 م
نبيل العوذلي


زيارة وزير الدفاع السعودي إلى الإمارات ولقاؤه الشيخ محمد بن زايد أصبحا حديث الساعة، وتباينت القراءات بين متشائم يرى في عودة التفاهمات استنساخًا لتجارب الماضي، ومتفائل يرى فيها ضرورة تفرضها تحولات المنطقة. وأنا أقرأ هذه الزيارة من زاوية التفاؤل، فقد كنت من الداعين إلى عودة التفاهمات السعودية الإماراتية، انطلاقًا من قناعتي بأن ما يجمع البلدين أكبر مما يفرقهما.

لكن هناك نقطة جوهرية يجب أن يدركها الجميع: عودة التفاهمات لا تعني العودة إلى معادلة المرحلة الأولى، ولا إلى المربع الأول في اليمن.

في المرحلة السابقة، كانت المعادلة تسمح للإمارات بهامش واسع للتحرك في اليمن، وكأن السعودية تمنحها تفويضًا مفتوحًا أو توقيعًا على بياض لتفعل ما تشاء، بينما كانت الرياض تتحمل مسؤولية التحالف وتكاليف المعركة وتداعياتها الاستراتيجية. هذه المعادلة، في تقديري، لن تعود بالصورة نفسها؛ لأن السعودية اليوم أكثر إدراكًا لدروس التجربة، وأكثر حرصًا على أن تقود بنفسها المرحلة المقبلة، وأن تكون قرارات الحرب والسلام وترتيبات الأمن الإقليمي منسجمة مع مصالحها الاستراتيجية.

وهذا لا يعني إلغاء الدور الإماراتي أو التقليل من أهميته، بل يعني أن طبيعة المرحلة تغيرت، وأن الشراكة المقبلة ينبغي أن تقوم على وضوح المسؤوليات وتكامل الأدوار، لا على التفويض المفتوح.

السعودية ستقود المرحلة وفق رؤيتها ومصالحها، لكنها تدرك في الوقت نفسه قيمة الخبرة العسكرية الإماراتية ودورها في معارك اليمن.

والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الإمارات قدمت دورًا عسكريًا ميدانيًا مهمًا في اليمن، وأن قواتها شاركت على الأرض في معارك تحرير مناطق يمنية، في وقت فضّلت فيه دول أخرى ولاتزال الاعتماد على أشكال مختلفة من المشاركة والدعم دون النزول ميدانيا. وهذه الخبرة الميدانية تمثل رصيدًا عسكريًا إماراتيًا لا ينبغي تجاهله أو التقليل منه.

لقد كان للحضور العسكري الإماراتي أثر في مسار المعارك، وفي المناطق التي تحررت خلال سنوات الحرب، وهو ما يجعل الاعتراف بهذا الدور جزءًا من القراءة الموضوعية للتجربة. فالسعودية، بما تمتلكه من ثقل استراتيجي وقدرات واسعة، تدرك أهمية الخبرة العسكرية الإماراتية، كما تدرك الإمارات أهمية الدور السعودي في قيادة التوازنات الإقليمية.

وهنا تكمن الحكمة في التفاهمات الجديدة: قيادة سعودية واضحة للمرحلة المقبلة، مع الاستفادة من الخبرة الإماراتية ضمن شراكة تحترم مصالح الطرفين وسيادة الدولة اليمنية. فلا إلغاء لدور الإمارات، ولا عودة إلى مرحلة يكون فيها القرار مفتوحًا بلا ضوابط واضحة.

وفي المقابل، أعتقد أن الإمارات أدركت، من خلال التطورات الإقليمية الأخيرة، الأهمية الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية بالنسبة إليها. فالجغرافيا لا تتغير، والمصالح لا يمكن فصلها عن حقائق الموقع، والسعودية ليست مجرد دولة جارة، بل قوة إقليمية محورية وشريك أساسي في قضايا الأمن والاقتصاد والملاحة والاستقرار الخليجي.

ومن هنا، فإن الإمارات، بما لديها من خبرة سياسية واقتصادية، تدرك أن المغامرة مجددًا في اليمن بمواقف تهز ثقة القيادة السعودية ستكون مكلفة. فالثقة بين البلدين ليست تفصيلًا عابرًا، بل ركيزة من ركائز العلاقة الاستراتيجية، وفقدانها قد يفتح أبوابًا من التعقيدات لا تخدم المصالح الإماراتية نفسها. والإماراتيون يدركون طبيعة المصالح وحسابات السياسة، ولذلك فإن من المنطقي أن تقوم التفاهمات الجديدة على مراجعة التجارب السابقة وتجنب تكرار أسباب الخلاف.

أما على المستوى الإقليمي، فإن التحديات الراهنة تجعل التنسيق ضرورة. فالتوترات المرتبطة بإيران، والتهديدات التي تعرضت لها دول الخليج، والمخاطر التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز، كلها عوامل تؤكد أن أمن السعودية والإمارات مترابط، وأن الخلافات بينهما لا ينبغي أن تتحول إلى ثغرات تستفيد منها الأطراف الأخرى.

كما أن التطورات الإقليمية أظهرت أن المراهنة على قوة دولية أو إقليمية واحدة لا تكفي لضمان المصالح. فالولايات المتحدة وإسرائيل، مهما امتلكتا من قدرات، تتحركان وفق حساباتهما الخاصة، ولا تتطابق أولوياتهما بالضرورة مع أولويات كل دولة خليجية. ولذلك تزداد أهمية بناء موقف خليجي متماسك يستند إلى المصالح المشتركة، لا إلى المبالغة في تقدير قدرة أي طرف خارجي على توفير الحماية المطلقة.

وفي اليمن تحديدًا، ينبغي أن تكون المرحلة المقبلة مختلفة: تنسيق واضح، وأهداف محددة، واحترام لسيادة الدولة اليمنية، ومنع تعدد مراكز القرار العسكري، وعدم السماح للخلافات بين القوى المحلية والإقليمية بإضعاف معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي.

وهذا لا يعني أن جميع الخلافات قد انتهت، أو أن لقاءً سياسيًا واحدًا يكفي لإثبات تطابق المواقف. فالحكم الحقيقي سيكون على ما ينتج عن هذه التفاهمات من سياسات ومواقف عملية، وعلى مدى احترام المصالح المتبادلة وعدم تكرار التجارب التي أضعفت الثقة.

الخلاصة أن عودة التفاهمات السعودية الإماراتية ليست عودة إلى الماضي، وإنما محاولة للتعامل مع واقع جديد بشروط جديدة. السعودية أكثر تمسكًا بقيادة الملفات التي تمس أمنها القومي، والإمارات أكثر إدراكًا لأهمية المحافظة على الثقة مع الرياض، والخبرة العسكرية الإماراتية تظل عنصرًا مهمًا يمكن توظيفه في إطار شراكة واضحة ومتوازنة.

نحن لا نريد خلافًا سعوديًا إماراتيًا، ولا نريد أن يدفع اليمن ثمن التنافس بين الأشقاء. ما نريده هو شراكة تحترم المصالح، وتعترف بالأدوار، وتستفيد من دروس الماضي، وتضع أمن الخليج واستقرار اليمن في مقدمة الأولويات.

فلا عودة إلى التوقيع على بياض، ولا تكرار للمربع الأول؛ بل تفاهمات جديدة، وقيادة سعودية أوضح للمرحلة، وشراكة إماراتية فاعلة تدرك أن الثقة الاستراتيجية لا تُمنح إلى الأبد، وإنما تُبنى بالمواقف وتحفظها الأفعال.

فالسياسة ليست إنكارًا لأدوار الآخرين، كما أن الشراكة لا تعني التنازل عن القرار. والحكمة أن تعرف السعودية كيف تقود، وأن تعرف الإمارات كيف توظف خبرتها، وأن تكون النتيجة دولة يمنية قوية ومستقرة، وأمنًا خليجيًا لا تسمح الخلافات بإضعافه.