آخر تحديث :الثلاثاء-20 أكتوبر 2026-12:56ص

اليمن في مهب الحرب الشاملة: مسارات التصعيد المفتوح وتواطؤ الصمت الدولي

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 09:39 م
محمد ناجي


يواجه اليمن اليوم المنعطف الأكثر خطورة وعنفا منذ بدء النزاع، حيث انزلقت البلاد مجددا وبشكل كامل إلى مربع الحرب الشاملة، مجهضة كافة جهود التهدئة النسبية التي لم تكن في حقيقتها سوى مسكنات موقتة صاغها المجتمع الدولي لإدارة الأزمة لا لحلها. ومع دخول المواجهات العسكرية مرحلة كسر العظم بين أطراف الصراع، لم يعد السؤال اليوم يتعلق بفرص السلام الدبلوماسي الذي ثبت عقره، بل بات يتمحور حول جغرافيا الدم الجديدة، وإلى أين تتجه البلاد وسط هذا الانفجار العسكري وعجز الأمم المتحدة غير المسبوق؟

تفكيك الهدنة وبدء الحسم العسكري

جاء التصعيد الأخير ليعيد رسم خارطة المواجهات الميدانية، خاصة بعد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي التعبئة العامة وإطلاق عملية فجر اليمن العسكرية الشاملة. هذه العملية جاءت كإجراء دفاعي وهجومي مضاد ردا على التحركات الميدانية المكثفة لجماعة الحوثي، والتي سعت من خلالها للسيطرة على جزر ومناطق استراتيجية على الساحل الغربي اليمني هددت عبرها الملاحة في مضيق باب المندب وجزيرة ميون.

اليوم، تشتعل خطوط التماس في جبهات كبرى ومترابطة؛ فبينما نجحت القوات الحكومية مسنودة بالتحالف في تأمين المضيق الاستراتيجي، تشهد تعز، ومأرب، والجوف، وصعدة معارك طاحنة. وقد بدا واضحا من التصريحات الرسمية لوزارة الدفاع اليمنية أن الاستراتيجية الحالية لا تهدف إلى استجداء الشروط التفاوضية من طاولات الأمم المتحدة، بل تضع صنعاء والحديدة وصعدة كأهداف عسكرية مباشرة لإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.

التصعيد العابر للحدود والاستقطاب الإقليمي

لم يقتصر لظى الحرب الشاملة على الجغرافيا اليمنية؛ إذ اتخذ الصراع بعدا إقليميا ودوليا بالغ التعقيد. ومع توسيع جماعة الحوثي لضرباتها الصاروخية وبطائراتها المسيرة واستهدافها المباشر للعمق السعودي والمنشآت الحيوية في المملكة كالمطارات والبنية التحتية، رد التحالف بقيادة السعودية بسلسلة غارات جوية مكثفة وغير مسبوقة على المعاقل العسكرية للحوثيين في العاصمة صنعاء وعدة محافظات.

هذا التصعيد يعكس في عمقه ترابط الساحة اليمنية بملفات التوتر الإقليمي والدولي الأوسع في المنطقة، لاسيما المواجهة المتصاعدة مع إيران، مما جعل من اليمن ساحة مكشوفة لاستعراض القوة وفرض الشروط، وسط دعم دفاعي واستخباراتي غربي وعربي للجانب الحكومي، وإسناد تسليحي وتوجيهي مستمر للحوثيين.

تواطؤ العجز الدولي: المأساة كأداة للمقايضة

تحت وطأة هذه الآلة العسكرية المتفجرة، يدفع المواطن اليمني الكلفة الأكبر؛ فالبلاد تتجه نحو منعطف إنساني مأساوي غير مسبوق تصفه التقارير الأممية بالأسوأ عالميا. فقد تسببت المعارك المشتعلة منذ الربع الأخير من عام 2026 في موجة نزوح جماعي جديدة شردت أكثر من 200 ألف مدني، ليتضاعف العبء على مخيمات النزوح التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة.

اقتصاديا، يعاني أكثر من 18.3 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقت ينهار فيه الريال اليمني بشكل تاريخي، مسببا ارتفاعا جنونيا في أسعار الغذاء والوقود، متزامنا مع حصار خانق يطوق مدنا رئيسية كتعز.

وهنا يبرز الوجه الشاحب للمجتمع الدولي، الذي يكتفي بإصدار بيانات القلق والشجب الباهتة، متخذا من معاناة اليمنيين مجرد مادة للتقارير الدورية وجمع التبرعات، دون اتخاذ أي خطوات حاسمة لردع المتسببين بقوت الشعب، أو فرض حلول حقيقية تنهي المعاناة وتفك الحصار. إن هذا التغاضي الدولي الفاضح يعطي الضوء الأخضر لإطالة أمد الحرب وتعميق المأساة الإنسانية.

السيناريوهات والمآلات: أين يقف اليمن؟

بصفتنا مراقبين مستقلين للمشهد، نرى أن اليمن يقف اليوم أمام سيناريوهين لا ثالث لهما:

حرب استنزاف ممتدة: في ظل غياب أي قنوات تواصل سياسية حقيقية، وانشغال المجتمع الدولي بملفات إقليمية كبرى، قد تدير الأطراف صراعا طويلا تتبادل فيه السيطرة دون حسم قريب، مما يعني استنزافا كاملا لما تبقى من قدرات البلاد البشرية والاقتصادية بتواطؤ وصمت من العواصم الكبرى.

تغيير جذري لموازين القوى: تعول الحكومة الشرعية على عملية فجر اليمن لإحداث خرق عسكري استراتيجي يكسر العمود الفقري للقدرات الحوثية، وهو ما قد يجبر الجماعة في نهاية المطاف على التراجع والقبول بتسوية سياسية شاملة تحت سقف الدولة وبشروط جديدة تفرضها البنادق لا الوعود الدولية الزائفة.

ختاما، إن اليمن لا يتجه فقط نحو جولة حرب جديدة، بل نحو إعادة تشكيل كاملة لخارطته السياسية والعسكرية. وإذا لم يستفق المجتمع الدولي من غيبوبته السياسية المتعمدة ويتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، فإن الكارثة لن تقتصر على حدود اليمن، بل ستمتد شظاياها لتهدد أمن الطاقة والملاحة الدولية واستقرار المنطقة برمتها، وحينها لن تنفع بيانات القلق شيئا.