آخر تحديث :الثلاثاء-20 أكتوبر 2026-12:56ص

من صواريخ شبوة إلى حسابات القاهرة وموسكو وبكين .. معركة الدولة وتوازنات الإقليم

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 06:43 م
محمد خالد الحسيني


بين تصعيد الميدان وتشابك الحسابات الإقليمية والدولية يقف اليمن أمام منعطف حاسم يختبر قدرة الدولة على استعادة مؤسساتها ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية احتواء التهديدات وحماية أمن المنطقة والملاحة الدولية

فبين الصواريخ التي تستهدف شبوة ومأرب والغارات الجوية على مواقع الحوثيين والتحركات المصرية والسعودية والاتصالات الروسية والإيرانية وصولا إلى استعداد بكين للتحقيق في تقارير عن وصول مكونات عسكرية إلى الحوثيين تتجاوز التطورات حدود المواجهة الداخلية لتضع إرادة الدولة وقدرة المجتمع الدولي على احتواء التهديدات أمام اختبار حقيقي

وفي تقديري تقف اليمن أمام مفترق حاسم إما أن تتحول هذه المواجهة إلى نقطة انطلاق لاستعادة مؤسسات الدولة والحد من المخاطر التي تهدد أمن المنطقة والملاحة الدولية وإما أن تنزلق البلاد إلى دورة جديدة من الاستنزاف تتسع فيها رقعة الصراع وتتفاقم كلفته دون أفق واضح للسلام

يمثل الهجوم الصاروخي الذي استهدف معسكر العلم في شبوة وأسفر وفق الحصيلة الأولية المعلنة عن سقوط عشرات القتلى والجرحى تصعيدا خطيرا يتجاوز خسائره المباشرة

فاستهداف مركز لتدريب منتسبي الأمن والشرطة يضرب جهود بناء المؤسسات الأمنية ويكشف حجم التحديات التي تواجهها الحكومة في حماية كوادرها ومنشآتها

وفي اعتقادي لا تكمن خطورة الهجوم في حصيلته البشرية وحدها بل في دلالاته العسكرية والأمنية وما يفرضه من ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية وحماية المنشآت الحيوية

ومن هنا فإن تأكيد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أن الهجوم لن يثني الدولة عن استعادة مؤسساتها ينبغي أن يترجم إلى إجراءات عملية تمنع تكرار هذه الهجمات

وفي المقابل تؤكد الغارات الجوية على مواقع حوثية ومنها أربع غارات على مواقع في مطار تعز ومحيطه استمرار المواجهة واتساع نطاقها

ومع تواصل عمليات فجر اليمن على جبهات مأرب وتعز والجوف ولحج واحتدام المعارك في محيط باب المندب تتزايد أهمية النتائج الميدانية لهذه التحركات

وفي نظري لا يقاس نجاح العمليات العسكرية بكثافة الغارات أو عدد المواقع المستعادة بل بقدرتها على تغيير موازين القوى بصورة مستدامة وحماية المدنيين وتأمين المناطق المحررة وتعزيز حضور مؤسسات الدولة

فالمكاسب العسكرية التي لا تسندها رؤية سياسية وأمنية متكاملة تظل عرضة للانتكاس

إقليميا تكتسب المؤشرات المتعلقة بظهور طائرات شحن عسكري مصرية في الأجواء السعودية أهمية خاصة في ظل ما أعلن عن تنسيق دفاعي بين القاهرة والرياض

ويعكس هذا التطور إدراكا متزايدا لترابط أمن المملكة باستقرار المنطقة وخطورة التهديدات التي تطال المنشآت الحيوية والممرات البحرية

وبرأيي تكمن أهمية هذا التحرك في تأكيد ضرورة التنسيق العربي لمواجهة المخاطر المشتركة مع التمييز بين دلالاته السياسية وما يمكن تأكيده بشأن طبيعته العسكرية وأهدافه في ضوء المعلومات المتاحة

ويتزامن ذلك مع مباحثات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان بشأن الملف اليمني وتهديدات الملاحة إلى جانب بحث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظيره المصري سبل خفض التصعيد

وتكشف هذه الاتصالات أن الأزمة اليمنية باتت جزءا من معادلة إقليمية تتصل بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وحركة التجارة الدولية

وفي اعتقادي يعكس هذا الحراك إدراكا متزايدا بأن استمرار الحرب لم يعد شأنا يمنيا محضا بل أصبح يحمل مخاطر تتجاوز حدود البلاد

غير أن جدوى هذه الاتصالات تظل مرهونة بقدرتها على الحد من الهجمات واحتواء التوتر ودفع الأطراف نحو تسوية سياسية تعالج أسباب الصراع

وفي هذا السياق تبرز تصريحات القائم بالأعمال الصيني لدى اليمن شاو تشنغ بشأن استعداد بكين لتلقي المعلومات التي تقدمها الحكومة اليمنية حول التقارير المتعلقة بوصول مكونات مرتبطة ببرامج الصواريخ الحوثية من موردين صينيين وإجراء تحقيق شامل بشأنها

وقد وصف شاو هذه الاتهامات بأنها لا أساس لها مؤكدا صرامة الرقابة الصينية على تصدير المواد ذات الاستخدام المزدوج والالتزام بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة

وفي نظري تمثل هذه التصريحات فرصة لاختبار جدية التعاون الدولي في منع وصول المكونات ذات الاستخدام العسكري إلى أطراف النزاع

فالنفي وحده لا يحسم القضية كما أن الاتهامات لا تغني عن الأدلة وإنما يتطلب الأمر التحقق من المعلومات وسلاسل التوريد واتخاذ الإجراءات اللازمة إذا ثبت وقوع مخالفات

وأعتقد أن تحويل الاستعداد الصيني المعلن إلى تعاون عملي وشفاف مع الحكومة اليمنية من شأنه تعزيز الثقة والحد من استغلال المواد ذات الاستخدام المزدوج في تطوير القدرات العسكرية

وفي موازاة ذلك تعكس دعوة مجلس التعاون الخليجي إلى تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية تصاعد القلق من تداعيات أنشطتهم العسكرية

وبرأيي تتطلب مواجهة هذه التحديات مقاربة تجمع بين الردع والضغط الدولي وحماية المدنيين مع إبقاء التسوية السياسية هدفا أساسيا لا غنى عنه

في المحصلة أرى أن خطورة المرحلة تكمن في استمرار المواجهة دون تحول استراتيجي ينهي الحرب أو يحد من تداعياتها

ويتطلب تجاوز هذا المسار تعزيز قدرة الحكومة اليمنية على حماية المواطنين وتثبيت مؤسسات الدولة بالتوازي مع انتقال الشركاء الإقليميين والدوليين من المواقف المعلنة إلى خطوات عملية تدعم الحل السياسي

فاستعادة الدولة لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها بل ببناء مؤسسات فاعلة وصون السيادة واستعادة القرار الوطني وترسيخ السلام المستدام

أما استمرار الصواريخ والغارات والاتصالات الدبلوماسية دون نتائج ملموسة فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وتوسيع كلفته

وفي تقديري يكمن التحدي الحقيقي في تحويل هذه اللحظة المضطربة إلى فرصة لاستعادة الدولة وإنهاء الحرب لا إلى جولة جديدة من الاستنزاف تبقي اليمن رهينة الصراع وتؤجل حق شعبه في الأمن والاستقرار