آخر تحديث :الثلاثاء-20 أكتوبر 2026-12:56ص

جبل صبر.. حارس تعز الذي لا ينام

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 06:03 م
عبدالملك المخلافي


في منتصف يوليو 2015، دفعت مليشيا الحوثي بدبابة إلى قرية ذي عنقب في مشرعة وحدنان، لتجعل منها أداة تهديد لتعز ولقرى جبل صبر. خرج الأهالي في مسيرة سلمية يطالبون بإبعادها، فواجهتهم المليشيا بالرصاص، واستشهد جمال سلطان. عندها تقدّم مبارك محمد هزاع، أحد أبناء المنطقة، وسكب الوقود على الدبابة وأشعلها. لم يكن ذلك مجرد إحراق لآلية عسكرية؛ كان إعلاناً بأن جبل صبر لن يُؤخذ بالقوة، وأن تعز لن تُركع بالدبابة.


ومنذ ذلك اليوم، أثبت صبر أنه حارس تعز الأمين الذي لا ينام؛ يحرس المدينة النائمة في حضنه، ويظلّلها بالغمام، ويمنحها الجمال والسحر، كما منحها من أرضه الطيبة ما تنبته من أجمل الثمار والخيرات.


من تلك الشرارة بدأت واحدة من أنبل صفحات المقاومة في تعز. رجال مشرعة وحدنان، والمسراخ، وصبر الموادم، لم ينتظروا دعماً ولا جيشاً منظماً. حملوا ما توفر من السلاح، وعرفوا أن الدفاع عن قراهم هو الدفاع عن المدينة التي يطل عليها جبلهم ويحرسها. وانتصروا، فكانت مشرعة وحدنان أول مديرية تتحرر كاملة من المليشيا في تعز، وسقط وهم إخضاع الجبل وإخضاع المدينة معه.


ولا تُروى حكاية صبر بالرجال وحدهم. فالنساء الصبريات كنّ في قلب الصمود؛ يحملن أعباء البيوت والأسر، ويقفن إلى جانب المقاومة بما يملكن، ويحفظن للقرى حياتها وكرامتها. هذا الجبل الذي عُرفت نساؤه بحضورهن في العمل والحياة العامة، أثبت في الحرب أن المرأة فيه ليست شاهدة على البطولة، بل شريكة في صنعها.


واليوم يعود جبل صبر إلى واجهة المواجهة. وفي الصنمات والصراري، وفي الشقب والأقروض والمسراخ، تتجدد الحقيقة ذاتها: أن الحوثي لا يستطيع أن يكسر جبلاً صنعته إرادة أهله قبل أن تصنعه الصخور. قد يملك السلاح الثقيل، وقد يقصف القرى ويحاول التسلل إلى المواقع، لكنه لا يملك أن ينتزع من أهل صبر ذاكرتهم، ولا أن يهزم يقينهم بأن النصر قادم.


وحين تنتصر الجمهورية والدولة، سيعود جبل صبر إلى دوره الذي عرفته تعز: يمنحها من طيبات ثماره، وجمال مناظره، ويظلّلها بالغمام. وعلى مرتفعاته الجميلة التي يقصدها الزوار في زمن السلم، سيتبادل الناس أحاديثهم عن مدينة صمدت وفكّت حصارها مرتين، وانتصرت فيها الجمهورية والدولة؛ وعن جبلٍ ظلّ، بصلابة استمدّها من صلابة رجاله ونسائه، حارسَها الأمين وفخر نضالها.