في التاسع عشر من أكتوبر مرت على الكويت لحظتان لا تشبهان أي لحظة أخرى في تاريخ الخليج لحظة ميلاد عملة ولحظة إنقاذ عملة وبين اللحظتين ثلاثون سنة بالتمام ..
اللحظة الأولى كانت في التاسع عشر من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وستين في قصر السيف في مدينة الكويت القديمة كان أمير الكويت الحادي عشر الشيخ عبد الله السالم الصباح الذي يلقبه الكويتيون أبو الدستور يجلس على طاولة خشبية ومعه مستشاره البريطاني ووزير المالية الشيخ جابر الأحمد الصباح وثلاثة خبراء من الهند وبريطانيا وأمامه ورقة واحدة هي المرسوم الأميري رقم واحد وأربعين لسنة ألف وتسعمائة وستين بقانون النقد الكويتي Kuwaiti Currency Law
قبل هذا المرسوم كانت الكويت تتعامل بالروبية الهندية Indian Rupee منذ عام ألف وثمانمائة وخمسة وثلاثين لأن بريطانيا كانت تحكم الخليج والهند معا وكانت الروبية هي عملة الخليج كله من البصرة إلى مسقط وكانت في الكويت تسمى بيزة وكانت الروبية الخليجية Gulf Rupee تطبع في بومباي وتحمل صورة الملك جورج السادس ثم الملكة إليزابيث.
ولكن الشيخ عبد الله السالم قال إن الكويت التي صدرت أول شحنة نفط عام ألف وتسعمائة وستة وأربعين والتي استقلت دستوريا في التاسع عشر من يونيو عام ألف وتسعمائة وواحد وستين لا يمكن أن تبقى بلا عملة وطنية.
ففي التاسع عشر من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وستين وقع المرسوم الذي يقول في مادته الأولى إن الدينار الكويتي Kuwaiti Dinar هو وحدة النقد في الكويت وإن الدينار ينقسم إلى ألف فلس وإن مجلس النقد الكويتي Kuwait Currency Board هو الذي يصدره.
وكان المرسوم ثوريا لأنه جعل الدينار مغطى بالذهب والعملات الصعبة بنسبة مائة في المائة Gold Cover وحدد سعره بثلاث عشرة روبية ونصف وثلث روبية أي ما يساوي اثنين جنيه إسترليني وستة شلنات و ثمانية بنسات ووزنه اثنان فاصلة أربعة ثمانية ثمانية غرام من الذهب الخالص.
وفي أول يوم طباعة في مطبعة برادبري ويلكنسون Bradbury Wilkinson في لندن طبعت أوراق من فئة ربع دينار ونصف دينار ودينار واحد وخمسة دنانير وعشرة دنانير وكانت تحمل صورة شعار الكويت القديم سفينة شراعية وصقر وتوقيع الشيخ جابر الأحمد كوزير للمالية.
وفي الأول من أبريل عام ألف وتسعمائة وواحد وستين بدأ التداول فوقف الناس في طوابير أمام بنك الكويت الوطني ليبدلوا الروبيات بالدنانير وكان سعر الصرف كل دينار يساوي ثلاثة عشر روبية وثلث وكانت الحكومة تعطي مهلة تسعين يوما لتبديل العملة.
ثم تطور المجلس ففي عام ألف وتسعمائة وثمانية وستين تحول إلى بنك الكويت المركزي Central Bank of Kuwait بموجب القانون رقم اثنين وثلاثين لسنة ألف وتسعمائة وثمانية وستين وأصبح هو الذي يحمي الدينار ويضع احتياطيا من الذهب والدولار.
ولهذا أصبح الدينار الكويتي منذ ذلك اليوم أقوى عملة في العالم حتى اليوم فالدينار الواحد يساوي ثلاثة دولارات وثلاثين سنتا أمريكيا تقريبا ويساوي واحدا وعشرين يوان صيني ويساوي مائتين وسبعين روبية هندية والكويتيون يفتخرون أن دينارهم لم يخفض قيمته أبدا منذ ألف وتسعمائة وستين إلا مرة واحدة عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين عند خفض الجنيه الإسترليني.
ولكن القصة الثانية هي الأعجب ففي التاسع عشر من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وتسعين كانت الكويت محتلة وكان صدام حسين قد دخل الكويت في الثاني من أغسطس عام ألف وتسعمائة وتسعين وقال إنها المحافظة التاسعة عشرة ونهب البنك المركزي وسرق سبعة عشر طنا من الذهب وأحرق السجلات وحاول أن يفرض الدينار العراقي بدل الكويتي. .
وكان أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح موجودا في الطائف في السعودية مع الحكومة الكويتية في المنفى في فندق الطائف انتركونتيننتال وكان وزير المالية الشيخ علي الخليفة الصباح يجتمع كل يوم مع البريطانيين والأمريكان ليحافظ على أموال الكويت في الخارج.
ففي التاسع عشر من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وتسعين وفي الشهر الثالث للاحتلال أصدر الشيخ جابر الأحمد من الطائف المرسوم بالقانون رقم ثلاثة لسنة ألف وتسعمائة وتسعين ونصه الحرفي فرض حماية الحكومة على الأموال المملوكة للمواطنين الكويتيين والمقيمين على أرضها داخل الكويت وخارجها اعتبارا من الثاني من أغسطس عام ألف وتسعمائة وتسعين حفاظا عليها لأصحابها.
وكان هذا المرسوم فكرة عبقرية قانونية لم يسبق لها مثيل في التاريخ العربي فبموجبه اعتبرت كل أموال الكويتيين سواء ودائع في البنوك أو أسهم أو عقارات أو سيارات أو حتى مجوهرات داخل الكويت محمية بقوة القانون الكويتي ولا يجوز لأي جهة احتلال أن تتصرف بها ولا يجوز لأي بنك في العالم أن يجمدها أو يحولها إلا بأمر من الحكومة الشرعية.
وفور صدور المرسوم أرسلت الحكومة الكويتية نسخا منه إلى بنك إنجلترا Bank of England وبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي Federal Reserve وكل البنوك المركزية في العالم وقالت إن أي تحويل لأموال كويتية بتوقيع سلطة الاحتلال يعتبر باطلا ولاغيا وإن من يتعامل به يتحمل المسؤولية الجنائية.
وكانت النتيجة أن العراق لم يستطع أن يسحب دولارا واحدا من أرصدة الكويت في الخارج والتي كانت تبلغ آنذاك أكثر من مائة مليار دولار في صندوق الأجيال القادمة وفي البنوك العالمية لأن كل البنوك رفضت أوامر بغداد وقالت إن المرسوم الأميري الصادر في التاسع عشر من أكتوبر يحمي هذه الأموال.
كما أن المرسوم حمى داخل الكويت حقوق المقيمين فكثير من المقيمين الفلسطينيين والمصريين والهنود كانوا يملكون محلات وبيوتا في الكويت فجاء الاحتلال وحاول أن يوزعها على ضباط عراقيين فجاء المرسوم ليقول إنها محمية ولا يجوز التصرف بها حتى لو كان صاحبها خارج الكويت.
وبعد التحرير في السادس والعشرين من فبراير عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين شكلت لجنة اسمها لجنة حماية الأموال برئاسة الشيخ سالم العلي وبدأت تعيد الأموال لأصحابها فكل كويتي كان له وديعة في بنك محلي قبل الاحتلال استطاع أن يثبتها بالمرسوم ويستردها كاملة من البنك المركزي الجديد لأن الحكومة قالت إنها تضمن كل الودائع بموجب مرسوم التاسع عشر من أكتوبر.
ولهذا يقول المؤرخون الكويتيون إن التاسع عشر من أكتوبر هو يومان في يوم واحد يوم ولادة السيادة النقدية عام ألف وتسعمائة وستين ويوم إنقاذ السيادة النقدية عام ألف وتسعمائة وتسعين وبينهما قصة دولة صغيرة مساحتها سبعة عشر ألف كيلومتر مربع ولكنها استطاعت أن تجعل عملتها أقوى من الدولار والجنيه وأن تحمي أموال شعبها وهي محتلة بالكامل.
ومن طرائف ما يروى أن أحد التجار الكويتيين الكبار كان يملك في بنك الكويت الوطني وديعة بعشرة ملايين دينار قبل الاحتلال فجاء ضابط عراقي ومعه أمر من صدام بتحويلها إلى بغداد فرفض مدير البنك وقال إن المرسوم الأميري الصادر في التاسع عشر من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وتسعين يمنعني فغضب الضابط وهدده بالسلاح فقال له المدير اقتلني ولكن البنوك في لندن ونيويورك لن تعطيك فلسا واحدا بدون توقيع الشيخ جابر الأحمد وفعلا بقيت الوديعة حتى التحرير وعادت لصاحبها كاملة.
واليوم نفهم أن السر ليس في النفط فقط بل في قانون صدر في التاسع عشر من أكتوبر قبل الاستقلال بثمانية أشهر وفي مرسوم صدر في التاسع عشر من أكتوبر والبلد محتل وكلاهما صدر بنفس القلم من نفس الأسرة أسرة الصباح التي حكمت الكويت منذ عام ألف وسبعمائة وخمسة وخمسين .....
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
19 من أكتوبر في الكويت .. اليوم الذي ولد فيه الدينار وحُفظ فيه مال أمة ...