لا سادة بالولادة، ولا عبيد بحكم النسب؛ إنها معركة بين مشروع الهاشمية السياسية ودولة المواطنة.
ليست الحرب في اليمن صراعاً بين سُنّة وشيعة، كما يحاول البعض تصويرها، بل هي، في جوهرها، صراع بين مشروع الهاشمية السياسية الذي يدّعي لنفسه حقّاً خاصّاً في الحكم، ودولة المواطنة التي تؤمن بأن الشعب مصدر الشرعية، وأن الناس متساوون في الحقوق والواجبات.
لقد تحوّل النسب الهاشمي، في خطاب بعض دعاة الحكم السلالي، من مجرد انتساب عائلي إلى ادعاء امتياز سياسي وديني، وكأن الحكم حقٌّ موروث لفئة محددة، بينما يُراد لبقية أبناء الشعب أن يكونوا تابعين لها.
وهنا تكمن المأساة: كيف يُطلب من شعب حر أن يقبل بأن يُحكم على أساس النسب، لا على أساس الكفاءة والعدالة وإرادة الناس؟
إن الهاشمية السياسية، حين تتحول إلى مشروع لاحتكار السلطة، تصبح عاملاً للتفرقة والصراع والدمار؛ لأنها تقسم المجتمع إلى فئة تدّعي لنفسها حقّاً خاصّاً في الحكم، وبقية المواطنين الذين يُراد منهم التسليم بهذا الامتياز.
وليس الاعتراض على نسب أحد؛ فالإنسان لا يُلام على أصله، وإنما الاعتراض على تحويل النسب إلى أداة سياسية ووسيلة للاستعلاء على الآخرين.
وقد حسم القرآن الكريم معيار التفاضل بين الناس بقوله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
فلا الهاشمية ولا غيرها من الأنساب تمنح أصحابها حقّاً حصريّاً في الحكم، ولا تجعل بقية الناس أقل كرامة أو استحقاقاً.
فالإسلام دين للعالمين، ورسالة رحمة للبشرية جمعاء، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
إن رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين، لم يأتِ برسالة تقسم البشر إلى سادة وعبيد على أساس الأنساب، بل جاءت رسالته لترسيخ العدل والكرامة ومكارم الأخلاق.
إن اليمن لم يُدمَّر بسبب اختلاف المذاهب في حد ذاته، بل بسبب صراعات السلطة، واستغلال الدين، ومشروعات الحكم التي تسعى إلى إخضاع الدولة والمجتمع لامتيازات سلالية. ولن ينهض اليمن ما دام هناك من يعتقد أن نسبه يمنحه حقّاً يتجاوز حقوق الآخرين.
إن الحرب ليست ضد الهاشميين بسبب نسبهم، بل ضد الهاشمية السياسية حين تدّعي احتكار الحكم. وليست ضد الشيعة أو السُّنة، بل ضد كل مشروع يستغل الدين لتبرير الاستبداد وفرض الوصاية على المجتمع.
وإذا كان هناك من يتخذ المذهب وسيلة للوصول إلى السلطة، فإن المطلوب هو كشف مشروعه السياسي ومساءلة ممارساته وأفكاره، لا تحميل ملايين البشر مسؤولية أفعال لم يرتكبوها. فالمشكلة ليست في المذهب بحد ذاته، بل في توظيفه سياسيّاً لتبرير احتكار الحكم، وتحويل النسب إلى بطاقة عبور نحو السلطة، بينما يُطلب من عامة الناس قبول التبعية وكأنها قدر لا يتغير.
لقد جاء الإسلام رسالة هداية ورحمة، لا ترخيصاً للاستعلاء، وجاء القرآن ليضع الإنسان أمام مسؤولية التقوى والعمل والعدل، لا ليمنح فئة حقّاً حصريّاً في الحكم على حساب سائر الناس.
لا سادة بالولادة، ولا عبيد بحكم النسب؛ فاليمن أكبر من السلالات، والإسلام أوسع من المذاهب، وكرامة الإنسان لا يحددها نسبه، وإنما العدل هو أساس الحكم، والمواطنة المتساوية هي الطريق إلى إنقاذ الوطن.