صنعاء عدن لم يعد خافياً على أي متابع للشأن العربي أن الأزمة اليمنية المستمرة قد تجاوزت في تفاصيلها ونتائجها أبعاد الخلاف الداخلي، لتتحول إلى واحدة من أعقد ساحات الصراع الإقليمي والدولي في القرن الحادي والعشرين. بين أطماع القوى الكبرى والإقليمية في السيطرة على الممرات المائية والمواقع الاستراتيجية، وتدفق التمويل الخارجي العسكري، يجد الشعب اليمني نفسه وحيداً في مواجهة كلفة باهظة يدفعها من دمائه، وأمنه، وقوت يومه.
الممرات الحيوية والأطماع الجيوسياسية
تتحرك بيادق النزاع على الأرض اليمنية مدفوعة بأجندات عابرة للحدود؛ إذ يمثل الموقع الجغرافي الفريد لليمن، وإشرافه على مضيق باب المندب خط الملاحة الدولي الأبرز، مطمعاً استراتيجياً تتنافس عليه القوى الدولية والإقليمية لبسط نفوذها وتأمين مصالحها الخاصة. هذا التنافس المحموم حوّل البلاد إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات السياسية، حيث يتدفق الدعم المالي والعسكري الخارجي ليغذي جبهات القتال، مما يساهم مباشرة في إطالة أمد الحرب وإفشال مبادرات السلام الشاملة.
مأساة إنسانية بالأدلة
في الوقت الذي تستمر فيه الأموال الخارجية بالتدفق لشراء السلاح وتأجيج المعارك، يعيش المواطن اليمني تفاصيل مأساة إنسانية واقتصادية توصف بأنها الأشد قسوة في التاريخ الحديث. وتتجسد كلفة هذا الصراع في مؤشرات كارثية وثقتها التقارير الدولية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة في اليمن:
اتساع رقعة الفقر: يقبع اليوم أكثر من 80 بالمائة من السكان تحت خط الفقر، مما جعل صندوق النقد الدولي يصنف اليمن في ذيل قائمة التنمية كأحد أفقر بلدان العالم نتيجة الشلل التام للأنشطة الاقتصادية وتدهور القيمة الشرائية للعملة المحلية.
أرقام نزوح مرعبة: تسببت جولات القتال والتصعيد العسكري الأحدث في تفاقم أزمة النزوح الداخلي بصورة متسارعة، حيث أكدت بيانات المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة تسجيل أكثر من 201,000 نازح جديد ما يعادل قرابة 33,776 أسرة فروا من مناطق النزاع والخطوط المشتعلة قسراً بحثاً عن الأمان المفقود.
غياب الخدمات الأساسية: تعاني البلاد من شلل شبه تام في قطاعات الصحة، والتعليم، والكهرباء، والمياه الصالحة للشرب، مع عجز هائل في تمويل خطط الاستجابة الإغاثية.
مخرج الطوارئ: حوار يمني بقرار سيادي
إن استمرار ارتهان الحلول بالخارج لن ينتج عنه سوى مزيد من النزيف وتعميق المعاناة؛ لذا فإن المخرج الوحيد والأخير للأزمة يتمثل في صياغة حوار يمني يمني خالص، يتجرد فيه الجميع من الولاءات الخارجية ويضع مصلحة الوطن أولاً قبل أي شيء.
كما يتطلب الأمر من المنصات العربية والمجتمع الدولي التوقف عن الاكتفاء ببيانات القلق، والبدء في ممارسة ضغوط جادة لفرض مسار سلام حقيقي وعادل يوقف التدخلات الخارجية السلبية ويعيد بناء مؤسسات الدولة، لينعم الإنسان اليمني بالاستقرار والكرامة التي سُلبت منه لسنوات.