بموقف واضح وحاسم، وضع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمن السعودية في صلب حسابات الأمن القومي المصري، داعيا إلى عقد جلسة طارئة لمجلس النواب لتفويضه باتخاذ ما يلزم من إجراءات دفاعية إذا طلبت الرياض ذلك.
ولا يبدو هذا التحرك، في توقيته ودلالاته، مجرد تعبير عن التضامن السياسي بين البلدين، بل رسالة استراتيجية مفادها أن القاهرة لن تنظر إلى التهديدات التي تستهدف السعودية بمعزل عن انعكاساتها على أمن مصر ومصالحها الحيوية في البحر الأحمر.
في تقديري، تكمن أهمية الموقف المصري في أنه يرفع مستوى الاستعداد من الدعم السياسي إلى احتمال التحرك العملي، دون أن يعني ذلك أن قرار التدخل العسكري قد اتخذ بالفعل.
فالقاهرة تدرك أن التصعيد في اليمن لم يعد محصورا في جبهات القتال الداخلية، بل بات يمتد إلى أمن المنشآت الحيوية والملاحة البحرية، بما يهدد استقرار المنطقة ومصالح دولها.
وقد تصاعدت المواجهات خلال أكتوبر 2026، بالتزامن مع تقارير عن هجمات استهدفت قصر معاشيق ومحيط مطار عدن الدولي، إلى جانب تهديدات طالت أهدافا سعودية وحوادث بحرية قرب الجبيل.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع نطاق المخاطر، وعن احتمال انتقال تداعيات الصراع إلى مساحات استراتيجية تتجاوز حدود اليمن.
وهنا يبرز السؤال: هل يمثل طلب التفويض تحصيل حاصل، أم أنه خطوة تحمل أبعادا سياسية وعسكرية حقيقية؟ أعتقد أنه ليس إجراء شكليا؛ فالتضامن السياسي لا يعني تلقائيا الاستعداد لإرسال القوات، كما أن التفويض البرلماني، حتى إذا أقر، لا يعني إعلان الحرب.
لكنه يوفر إطارا دستوريا وسياسيا للتعامل مع احتمالات قد تستدعي استجابة عملية، وفق طبيعة التهديد والطلب السعودي والضوابط القانونية.
وتتجاوز أهمية الموقف المصري حدود العلاقة الثنائية، فالبحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثلان امتدادا استراتيجيا للمصالح المصرية المرتبطة بقناة السويس، وأي اضطراب واسع في الملاحة ينعكس على التجارة الدولية وتكاليف النقل والتأمين، وقد يؤثر مباشرة في الاقتصاد المصري.
ومن هذا المنطلق، فإن أمن السعودية ليس بالنسبة إلى القاهرة قضية تضامن عربي فحسب، بل يرتبط بحسابات الأمن القومي والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
أما طبيعة التدخل المحتمل، فلا يمكن الجزم بأنها ستكون بحرية فقط، وإن كانت البحرية المصرية تمتلك قدرات تجعل هذا المسار أحد الخيارات المهمة.
فقد تشمل الاستجابة، بحسب تطورات الموقف، تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التنسيق الدفاعي، والمساهمة في حماية الملاحة، أو تنفيذ مهام بحرية محددة.
وتمتلك مصر فرقاطات وغواصات وسفن إنزال وحاملتي مروحيات، لكن امتلاك هذه القدرات لا يعني صدور قرار بنشرها أو دخولها مواجهة عسكرية.
وفي تقديري، لا يتعلق الأمر بأن السعودية تحتاج إلى قوة مصرية تحل محل قدراتها، بل بما يمكن أن يضيفه التعاون بين البلدين إلى منظومة الردع الإقليمي.
فالتنسيق المصري السعودي قد يوسع خيارات الاستجابة ويوزع أعباء حماية المصالح المشتركة، ويرسل إشارة بأن تهديد أمن المنطقة والممرات البحرية لن يترك دون حساب.
ومع ذلك، يتعين على القاهرة الموازنة بين حماية أمنها القومي وتجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة تتجاوز أهدافها المعلنة.
فالردع الفعال لا يقاس بحجم القوة المستخدمة وحده، بل بوضوح الأهداف، ودقة تقدير المخاطر، والقدرة على منع التصعيد من التحول إلى صراع إقليمي ممتد.
الخلاصة أن الموقف المصري يضع معادلة واضحة: أمن السعودية والبحر الأحمر جزء من شبكة المصالح الاستراتيجية التي لا تستطيع القاهرة تجاهلها، والتفويض، إن أقر، سيكون خطوة استعداد لا إعلان حرب.
أما نجاح أي تحرك فسيعتمد على التنسيق مع الرياض، واحترام الأطر القانونية، والجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية.
فالمطلوب ليس توسيع دائرة الحرب، بل منع التهديد من التحول إلى واقع دائم يفرض نفسه على مصر والسعودية والمنطقة بأسرها.