آخر تحديث :الجمعة-23 أكتوبر 2026-09:32م

مشتسكولناش

السبت - 17 أكتوبر 2026 - الساعة 06:04 م
صفوان سلطان


في تعز لا يقاس الصمود بالأيام ولا بالأشهر، بل بسنوات الحصار والجوع والموت، والمدينة واقفة. حاصروها فازدادت عنادا، وقصفوها فازدادت صلابة، وظنوا أن الخوف سيكسر إرادتها، فإذا بها تتحول إلى قلعة للجمهورية ومنارة للحرية، وشاهد حي على أن الشعوب التي تؤمن بقضيتها لا تهزم. تعز التي منحت اليمن العلم والثقافة والوعي، تمنحه اليوم درسا في الكرامة: أن يكون الإنسان حرا لا يشترى ولا يركع.

يا أبناء تعز، يا من حملتم السلاح دفاعا عن البيوت والكرامة، ويا من دفعتم من دمائكم وأرزاقكم وأعماركم ثمنا للحرية، إن تضحياتكم ليست حكاية مدينة وحدها، بل فصل عظيم من حكاية اليمن الجمهوري كله. أنتم لا تدافعون عن بيوتكم فحسب، بل عن حق اليمنيين في دولة لا تحكمها السلالة، ولا تصادرها الميليشيا، ولا يختزل فيها المواطن إلى تابع ينتظر الإذن بحقه في الحياة. أنتم الضمير الحي لهذا الوطن، ونساؤكم ورجالكم وشبابكم أثبتوا أن الإرادة حين تتجذر في الروح لا تستطيع المدافع اقتلاعها.

والتحية لكل الأبطال في ميادين المواجهة: لرجال الجيش الوطني ببسالتهم وتضحيات شهدائهم، ولألوية العمالقة الجنوبية التي صنعت بالدم معادلات الميدان، ولقوات درع الوطن، ولكل التشكيلات والقوى الوطنية التي وقفت في وجه المشروع الحوثي. والتحية للشهداء الذين قدموا أرواحهم، وللجرحى الذين يحملون على أجسادهم ذاكرة المعركة، ولأسر المقاتلين التي تدفع من صبرها ووجعها ثمنا غاليا كي يبقى لليمن مستقبل غير القهر والاستبداد.

أما المشروع الحوثي فليس مشروع دولة ولا شراكة، بل مشروع سلالة يحتكر السلطة ويفرض الوصاية على المجتمع، ويقدم النسب على المواطنة المتساوية، ويحكم باسم الاصطفاء الإلهي. مشروع جعل التعليم أداة تعبئة، والمرتب رهينة سياسية، والموارد وسيلة هيمنة، وأحلام الأطفال وقودا لحرب لا تنتهي. يرى في اليمني عبدا لا مواطنا، وفي الوطن غنيمة يتوارثها جيلا بعد جيل.

ولنقل الحقيقة بلا مواربة: كلفة المقاومة باهظة، والدم اليمني أغلى من كل الشعارات. لكن كلفة الخضوع أكبر بكثير، وأطول أثرا، وأشد قسوة. فالمقاومة ثمنها مؤلم لكنه محدود، وينتهي بالتحرر. أما الخضوع فثمنه بلا سقف: هوية جمهورية تمحى، وقرار يصادر، وأبناء يتحولون إلى وقود في معسكرات الجماعة، وأحلام أجيال تدفن تحت ركام الاستبداد، ويدفع فاتورته الأبناء والأحفاد. ومن ظن أن الاستسلام طريق إلى السلام فقد أخطأ، فالسلام الذي يكافئ الانقلاب ويشرعن طبقة القنديل والزنبيل، ليس سلام بل إقرار بالعبودية وفي التاريخ دروس لا تخطئ. أسقط اليمنيون الإمامة في السادس والعشرين من سبتمبر، لا لأنهم كانوا الأقوى سلاحا، بل لأنهم كانوا الأصدق قضية والأشد إيمانا بحقهم. ولم تكن سبتمبر تغييرا في شكل الحكم، بل إعلانا بأن اليمنيين أحرار، وأن حقهم في تقرير مصيرهم لا تمنحه سلالة ولا تنتزعه جماعة مسلحة. والذين كسروا القيد الأول حاضرون اليوم في كل جبهة وكل حارة وكل قرية، وكما سقطت الإمامة بالأمس ستسقط نسختها الجديدة. ما من مشروع قام على القهر والعنصرية دام، وما من شعب قرر ألا يركع إلا وانتصر.

نحن على ثقة مطلقة بأننا سننتصر، لا لأن الطريق سهل، بل لأن قضيتنا هي الأعدل، ولأن الأرض أرضنا والحق حقنا، ولأن الله لا يخذل شعبا قرر أن يعيش حرا. وهذه الثقة ليست أمنية، بل عمل منظم: وحدة في الصف الجمهوري، وتكامل بين الجبهة والسياسة والإعلام، ومؤسسات تحمي الناس وتستعيد ثقتهم. فمعركتنا أكبر من الأحزاب، وأبقى من الأشخاص، وأسمى من الحسابات الصغيرة، ولا قيمة لكل هذه الدماء إن بقي صفنا مشتتا. لذلك نقول لكل القوى الوطنية: قدموا الوطن على المصالح، ووحدوا البندقية والقرار، فالنصر تصنعه الإرادة المنظمة.

من تعز إلى مأرب، ومن عدن إلى شبوة والساحل، يمتد شعب واحد وهدف واحد: يمن جمهوري موحد، ودولة تحتكر السلاح، وقانون يسري على الجميع، ومواطنة لا تميز بين يمني وآخر بسبب النسب أو المنطقة. وسيأتي يوم ترتفع فيه الراية على كل شبر من أرضنا، وحينها سيعرف الجميع أن الذين صمدوا كانوا على حق.

فيا أبناء تعز، اثبتوا فالنصر صبر ساعة، ولا تسمحوا للحصار أن يحاصر أحلامكم. ويا مقاتلي الجيش والعمالقة والدرع، شدوا العزم فالتاريخ يكتب أسماءكم. ويا كل يمني حر، كونوا على قدر اللحظة.

مشتسكولناش

لن نركع، ولن نساوم على الجمهورية، ولن نترك اليمن ملكية خاصة لجماعة.

مشتسكولناش لأن تعز لا تنحني، ولأن اليمن لا يختصر في ميليشيا، ولأن الجمهورية عهد شعب لن يسقط بالتقادم.

والنصر لليمن، والحرية لشعبه، والخلود لشهدائه.