آخر تحديث :الإثنين-12 أكتوبر 2026-01:43ص

أكتوبر لم يمت.. اليمن ما زال يخوض معركة الحرية

الأحد - 11 أكتوبر 2026 - الساعة 11:09 م
د. أسامة عبدالاله الأصبحي


في 14 أكتوبر 1963 لم يكن اليمنيون يملكون فائضا من السلاح، لكنهم كانوا يملكون شيئا أخطر على الإمبراطوريات: إرادة لا تقبل الهزيمة.

من جبال ردفان خرجت الشرارة، لا لتصنع معركة عادية، بل لتفتح الطريق أمام استقلال وطن ظل الاستعمار يراهن على إخضاعه. وبعد أربع سنوات، خرج آخر جندي بريطاني، وبقيت الحقيقة التي لا تموت: قد تستطيع القوة أن تحتل الأرض، لكنها لا تستطيع احتلال إرادة شعب.

اليوم، بعد أكثر من ستة عقود، تبدو اليمن وكأنها عادت إلى السؤال نفسه، وإن تغيّر شكل المعركة.

لم يعد المحتل البريطاني هو الخصم، لكن الدولة اليمنية نفسها أصبحت مهددة، والجمهورية محاصرة، والسلاح ينازع مؤسسات الدولة، واليمنيون يدفعون من أعمارهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم ثمن صراع طال أكثر مما ينبغي.

ومن هنا تأتي أهمية عملية فجر اليمن.

ليست قيمتها في اسمها، ولا في بياناتها العسكرية، وإنما في السؤال الذي تضعه أمام اليمنيين جميعا: هل آن لليمن أن يستعيد دولته؟

الجندي اليمني الذي يقف اليوم في الجبهة ليس بعيدًا عن جندي أكتوبر كما قد يبدو.

ذلك كان يقاتل كي يخرج المستعمر من أرضه، وهذا يقاتل كي تخرج المليشيا من مؤسسات دولته، وكلاهما يقف في النهاية دفاعًا عن حق اليمني في أن يعيش حرًا على أرضه.

وراء كل جندي اليوم أم تنتظر، وطفل يحلم بعودة أبيه، وبيت أنهكته الحرب، ووطن يريد أن يتنفس.

ولهذا يجب ألا نختزل معركة اليوم في خطوط تماس.

المعركة الأهم هي معركة استعادة معنى الدولة.

فلا يكفي أن نحرر الأرض إذا بقي القانون ضعيفًا، ولا يكفي أن نسقط الانقلاب إذا بقيت عقلية الانقسام، ولا يكفي أن نرفع راية الجمهورية إذا ظل اليمنيون أسرى للمناطقية والسلالة والقبيلة والحزب والمصلحة.

لقد ضحى رجال أكتوبر من أجل وطن لا يكون فيه اليمني تابعًا لأحد.

واليوم، أكبر خيانة لتلك التضحيات أن ننتصر على خصم ثم نعود إلى إنتاج الخصوم داخل الوطن، أو نستبدل هيمنة بهيمنة، ومليشيا بمليشيا، وصراع بصراع.

اليمن لا يحتاج منتصرًا على يمني، بل يحتاج دولة تنتصر لليمنيين جميعًا.

وهنا يجب أن نفهم أكتوبر بعيدًا عن الاحتفاليات.

أكتوبر ليست صورة على جدار، ولا نشيدًا يُردد مرة في العام.

أكتوبر عقيدة وطنية تقول إن اليمن أكبر من السلاح، وأكبر من الجماعة، وأكبر من المنطقة، وأكبر من الأشخاص.

وإذا كان جيل أكتوبر قد صنع الاستقلال، فإن مسؤولية جيل اليوم أن يصنع الدولة.

دولة لا يخاف فيها المواطن من بندقية، ولا يبحث فيها صاحب الحق عن واسطة، ولا يكون فيها النفوذ أقوى من القانون، ولا تكون فيها الجمهورية شعارًا بينما القرار بيد من يملك القوة.

من ردفان بدأت معركة التحرر.

ومن جبهات اليوم يجب أن تبدأ معركة استعادة اليمن.

ذلك هو فجر اليمن الحقيقي: أن يستعيد الوطن دولته، ويستعيد المواطن كرامته، ويعود السلاح إلى مكانه، ويعود القانون فوق الجميع.

رحم الله شهداء أكتوبر، ورحم كل جندي يمني يقف اليوم في الخندق دفاعا عن وطنه.

لقد تغيرت المعارك، وتغيرت الوجوه، لكن الرسالة لم تتغير:

اليمنيون الذين هزموا إمبراطورية بالأمس، قادرون اليوم على هزيمة كل مشروع يريد أن يجعل وطنهم غنيمة.

أكتوبر لم يمت… لأن اليمن لم يمت.




بقلم: المحامي الدكتور أسامة عبدالاله الأصبحي

رئيس شبكة محامون ضد الفساد

_________________