بقلم: شكيب راجح
صحفي متخصص في شؤون الكهرباء
انتهى الصيف، أو يكاد ينتهي، بعدما شكّل واحدًا من أكثر فصول الصيف مأساوية وقسوة على المواطنين في عدن والمحافظات الجنوبية عمومًا، نتيجة الانقطاعات الطويلة والمتكررة للتيار الكهربائي، وما رافقها من معاناة إنسانية كبيرة أثقلت كاهل الأسر، وحوّلت أيام الصيف ولياليه إلى معاناة يومية لا تُطاق.
ولم يكن هذا الصيف كارثيًا على المواطنين وحدهم، بل امتدت تداعياته إلى قطاع الكهرباء نفسه، الذي عانى من توقف محطات التوليد لفترات طويلة جراء نفاد الوقود، وعدم تزويدها بالكميات اللازمة للتشغيل بصورة منتظمة، والاكتفاء بتوفير كميات محدودة على شكل دفعات إسعافية، بدلًا من توفير المخصصات الفعلية التي تحتاجها المحطات لضمان استمرار عملها.
وقد انعكس هذا الوضع سلبًا على أداء منظومة الكهرباء واستقرارها، فضلًا عن تأثيره المباشر على تحصيل الإيرادات الخاصة باستهلاك الطاقة الكهربائية، إذ إن استمرار الانقطاعات وتراجع ساعات التشغيل يؤديان بطبيعة الحال إلى انخفاض الإيرادات، ويزيدان من تعقيدات الوضع المالي والتشغيلي للمؤسسة.
ولعل ما ينبغي التوقف عنده بجدية هو أن خروج محطات التوليد عن الخدمة لفترات طويلة بسبب نفاد الوقود لا يقتصر ضرره على حرمان المواطنين من الكهرباء، بل قد يعرّض تلك المحطات لأضرار فنية جسيمة، لا سيما المحطات الاستراتيجية ذات القدرة التوليدية العالية، التي تحتاج إلى انتظام التشغيل والصيانة للحفاظ على جاهزيتها وكفاءتها الفنية.
وهذا يعني أن أزمة الوقود لا تتسبب في أزمة تشغيلية مؤقتة فحسب، بل قد تتحول مع مرور الوقت إلى مشكلة فنية واقتصادية أكثر تعقيدًا، تزيد من الأعباء الواقعة على منظومة الكهرباء، وترفع تكاليف إعادة تشغيل المحطات وصيانتها وتأهيلها.
ومن خلال القراءات الأولية للمشهد، فإن استمرار غياب استراتيجية حكومية واضحة تضمن توفير الوقود بصورة مستدامة، وعدم وضع حلول جذرية لهذه الأزمة المتكررة، ينذران بصيف قادم قد يكون أكثر ضراوة وقسوة من الصيف الذي نودعه اليوم.
فالأزمة لم تعد مفاجئة، ولم تعد مشكلة طارئة يمكن التعامل معها بالحلول الإسعافية أو الشحنات المحدودة التي تصل بعد توقف المحطات وخروجها عن الخدمة، بل أصبحت أزمة موسمية متكررة تستوجب معالجات حقيقية تبدأ من الآن، وليس عند حلول الصيف وارتفاع درجات الحرارة وتفاقم معاناة المواطنين.
وعندما نتحدث عن قضية بهذه الأهمية، فإننا لا نهدف إلى مجرد استعراض المعاناة أو تكرار الشكوى، وإنما ندق ناقوس الخطر مبكرًا، على أمل أن تجد هذه التحذيرات آذانًا صاغية لدى الجهات المعنية، وأن يجري التعامل مع ملف الكهرباء باعتباره قضية خدمية وإنسانية واقتصادية تستدعي أعلى درجات المسؤولية.
ندرك جيدًا أن وزارة الكهرباء، في ظل الظروف الراهنة، لا تملك وحدها القدرة على توفير الوقود، وأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولذلك فإننا لا نحملها فوق طاقتها، ولا نطالبها بما يتجاوز إمكاناتها المتاحة، رغم أن ضمان استمرار تشغيل محطات التوليد وتوفير احتياجاتها يُعد من صميم مسؤولياتها بالتنسيق مع الجهات المختصة.
لكننا في المقابل نطالب قيادة وزارة الكهرباء بالقيام بدورها الكامل في رفع الخطابات والمطالبات الرسمية بالمخصصات اللازمة من الوقود لتشغيل جميع محطات التوليد، سواء العاملة بالديزل أو المازوت أو النفط الخام، إلى مجلس القيادة الرئاسي ومجلس الوزراء واللجنة العليا للطاقة.
كما نطالب الوزارة بأن تجعل قضية توفير الوقود بندًا أساسيًا وثابتًا في كل اجتماع رسمي يتعلق بقطاع الكهرباء، وأن تتمسك بالمخصصات الفعلية التي تضمن تشغيل المحطات بصورة مستقرة، وألا توافق أو توقع على مخصصات وقود لا تلبي حتى نصف احتياجات المنظومة الكهربائية.
فالمعالجات الجزئية لن تصنع استقرارًا، والحلول الإسعافية لن تنهي أزمة تتكرر كل عام، وما لم تتحول قضية الوقود إلى أولوية حقيقية لدى قيادة الدولة والحكومة، فإننا سنظل ندور في الحلقة المفرغة ذاتها، وسيدفع المواطن ثمن العجز والتأخير، عامًا بعد آخر.
إن الاستعداد للصيف القادم يجب أن يبدأ من اليوم، لأن انتظار حلول الكارثة ثم البحث عن الحلول لم يعد مقبولًا، بعد كل ما عاناه المواطنون، وكل ما تكبده قطاع الكهرباء من خسائر وأضرار.
وللحديث بقية..
شكيب راجح
صحفي متخصص في شؤون الكهرباء