آخر تحديث :الإثنين-12 أكتوبر 2026-01:43ص

السعودية واليمن، وفاء الجوار وصبر الملوك على جراح الأشقاء

الأحد - 11 أكتوبر 2026 - الساعة 10:00 ص
نصيب محمد الحارثي


مع العلم إن كل العلاقات بين الدول لا تُختصر في حدود الجغرافيا، ولا تُقاس متانتها بما يُوقَّع من اتفاقيات، فهناك علاقات صنعتها وشائج الدم والدين والتاريخ، ورسّختها المواقف في أوقات المحن، وحفظتها ذاكرة الشعوب جيلاً بعد جيل، وفي مقدمة هذه العلاقات تأتي العلاقة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية، علاقة شعبين جمعتهما الأخوة، وتداخلت بينهما القبائل والعادات والتقاليد، والمصاهرة وتقاربت فيهما القلوب قبل أن تتقارب المسافات، حتى غدا اليمني في وجدان كثير من السعوديين أخاً وجاراً وصاحب قضية لا يمكن تجاهل أوجاعه أو إدارة الظهر لمعاناته. وحين نتحدث عن المملكة العربية السعودية، فإننا نتحدث عن دولة كبرى في محيطها العربي والإسلامي، وعن بلد تربطه باليمن روابط تتجاوز الحسابات السياسية العابرة، وعن مواقف دعم ومساندة شهدتها مراحل مختلفة من تاريخ اليمن الحديث، ولا سيما حين اشتدت الأزمات، وتكاثرت التحديات، وأثقلت الحرب كاهل الإنسان اليمني، فكان للمملكة حضور في ملفات الدعم الإنساني والتنموي والاقتصادي، وفي مساعي مساندة مؤسسات الدولة اليمنية، وهي مواقف تستحق أن تُذكر بإنصاف، وأن يُعبَّر عن الامتنان لها بعيداً عن المزايدات أو إنكار الحقائق. وإن من الوفاء أن نتوقف أمام ما قُدِّم لليمن من مشروعات إغاثية وتنموية، ومساندة للقطاع الصحي والتعليمي، ودعم العملة المحلية والبنك المركزي اليمني، ومبادرات في مجالات الطرق والمياه والخدمات، فضلاً عن أوجه الدعم الاقتصادي والإنساني التي استهدفت التخفيف من معاناة المواطنين في ظل ظروف استثنائية قاسية، فخلف كل مشروع طريق يسهل تنقل الناس، وخلف كل دعم صحي فرصة لإنقاذ حياة، وخلف كل مساعدة إنسانية أسرة تبحث عن الأمان ولقمة العيش، وخلف كل جهد لإسناد مؤسسات الدولة أملٌ بأن يستعيد اليمن عافيته ويقف على قدميه من جديد. ولعل ما يجعل هذه العلاقة أكثر عمقاً أن أكثر من أربعة ملايين من اليمنيين عاشوا ويعيشون في المملكة، يعملون ويعيلون أسرهم، ويبنون مستقبل أبنائهم، ويرسلون إلى وطنهم ما يستطيعون من أسباب الحياة، وقد وجد كثير منهم في المجتمع السعودي مساحة للعيش والعمل، وفي العلاقات الاجتماعية بين الشعبين صورة من صور التقارب الذي لا تصنعه السياسة وحدها. كما أن معالجة أوضاع المقيمين المخالفين غير النظاميين، وتيسير الإجراءات الإنسانية والتنظيمية لهم في مراحل مختلفة، تظل مسائل تمس حياة الناس مباشرة، ويقدّرها من عاش تفاصيل الغربة، وعرف معنى أن يجد المرء باباً يُفتح أمامه حين تضيق به السبل. ومن هنا، فإن شكر المملكة لا ينبغي أن يكون مجاملة عابرة، بل اعترافاً بحق المواقف، ورسالة احترام لشعب شقيق احتضن أبناء اليمن، ولقيادة سعودية تحملت مع دولتها مسؤوليات وأعباء مرتبطة بأزمة يمنية ممتدة، بكل ما تفرضه من تعقيدات أمنية واقتصادية وإنسانية.

ولكن بالمقابل ماذا قدمت إيران لليمن، وماذا جنى اليمنيون من ارتباط الحوثيين بالمشروع الإيراني؟ أين المدارس والمستشفيات والجامعات والطرق ومشروعات التنمية التي كان يفترض أن تنهض بحياة اليمنيين؟ وأين الدعم الذي يسند العملة الوطنية، ويقوّي البنك المركزي، ويساعد الحكومة على دفع الرواتب، ويخفف عن المواطن أعباء الفقر والجوع والمرض؟ وكم من فرص العمل فُتحت لليمنيين في إيران، وكم من الأسر اليمنية وجدت فيها ملاذاً للعيش الكريم، مقارنة بملايين اليمنيين الذين يعيشون ويعملون في المملكة العربية السعودية؟ إنها أسئلة مشروعة لا تحتاج إلى شعارات مذهبية ولا إلى خطابات التخوين، بل إلى إجابات واضحة وحقائق قابلة للتحقق. إن ما يحتاجه اليمن ليس مزيداً من الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام التي تحصد الأرواح، ولا مزيداً من السلاح الذي يهدم البيوت ويشرّد الأسر، ولا تعبئة مذهبية تمزق المجتمع وتزرع الكراهية بين أبنائه؛ إنما يحتاج إلى مدرسة تفتح أبوابها للطفل، ومستشفى ينقذ المريض، وطريق يربط القرى بالمدن، ومرتب يعيد الكرامة إلى الموظف، واقتصاد يمنح الشباب فرصة للعمل والحياة. وحين ننظر إلى الدور الإيراني في اليمن، فإن الدعم العسكري الذي وثقته تقارير دولية للحوثيين يفرض علينا أن نسأل عن كلفة هذا التدخل على سيادة اليمن وأمنه ومستقبل، وعن الثمن الذي دفعه المواطن اليمني من دمه ولقمة عيشه واستقرار أسرته. وليس من العدل أن يتحول اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بينما يدفع أبناؤه الثمن من أعمارهم وأرزاقهم وأحلامهم.

وللأسف حين تنطلق صواريخ أو مقذوفات من الأراضي اليمنية باتجاه المملكة، فإنها لا تجرح أمن الجار وحده، بل تسيء أيضاً إلى معنى الأخوة، وتجرح قلوب اليمنيين وتضع اليمنيين أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية في رفض تحويل أرضهم إلى مصدر تهديد لجيرانهم، أياً كانت الجهة التي تقف وراء تلك الهجمات أو الشعارات التي تتذرع بها. فاليمن الذي عرفه أشقاؤه بقبائله وأصالته وكرمه، لا ينبغي أن يُختزل في حرب أو جماعة أو مشروع سياسي، كما أن الشعب اليمني لا يجوز أن يُحمَّل وزر أفعال لا يملك كثير من أبنائه قرارها. إن اليمنيين يريدون وطناً آمناً، ودولة تحمي مواطنيها، وقراراً وطنياً مستقلاً، وحياة كريمة لا يكون فيها الإنسان تابعاً لإرادة خارجية أو أسيراً لصراع مذهبي أو سياسي. ومن حق اليمن أن يستعيد مؤسساته، وأن يعيش أبناؤه أحراراً في ظل القانون والمواطنة المتساوية، ومن حق المملكة في المقابل أن تنعم بالأمن والاستقرار، وألا تحول حسن الجوار ومواقف الدعم إلى سبب لاستهدافها أو تهديد شعبها. إن الوفاء الحقيقي يقتضي أن نقول للمملكة شكراً حين يكون الشكر مستحقاً، وأن نتمسك في الوقت نفسه بحق اليمنيين في الكرامة والاستقرار وبناء دولتهم، فالعلاقة الأخوية السليمة لا تقوم على التبعية، بل على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وصيانة الأمن والكرامة لدى الشعبين.

ولعل السؤال الذي يستحق أن نتأمله جميعاً هو كيف يمكن لعلاقة بهذا العمق التاريخي والاجتماعي أن تتحول إلى جسور أوسع للتنمية والاستقرار، بدلاً من أن تبقى أسيرة أزمات متلاحقة؟ وكيف نستثمر ما يجمعنا من دين وجوار وروابط اجتماعية في إنهاء معاناة اليمن، وتحصين المنطقة من الصراعات، وفتح أبواب المستقبل أمام أجيال لم تعرف من عمرها سوى الحرب والقلق والانتظار؟ إن المملكة ليست مطالبة بأن تحمل وحدها أوجاع اليمن، كما أن اليمن ليس بلداً بلا إرادة أو أهل قادرين على النهوض، وإنما هي مسؤولية تتطلب تعاوناً صادقاً، ودعماً يساند اليمنيين في استعادة دولتهم، وجهوداً جادة تحول دون استمرار الحرب، وتمنح الإنسان اليمني فرصة ليصنع مستقبله بيده. وفي الختام نقول من القلب: شكراً للمملكة العربية السعودية، قيادةً وشعباً، على ما قدمته وتقدمه من أوجه المساندة لليمنيين، وعلى روابط الأخوة التي ما زالت تجمع الشعبين رغم قسوة الظروف. والشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ولكل مواطن سعودي رأى في اليمني أخاً وجاراً، ولكل يد امتدت بالعون، ولكل جهد سعى إلى تخفيف معاناة إنسان يمني أنهكته الحرب. إن ذاكرة الشعوب تحفظ المواقف الصادقة، وإن اليمنيين الأوفياء لا ينسون من وقف إلى جانبهم في ساعات الشدة، كما أنهم يتطلعون إلى يوم يعود فيه اليمن بلداً آمناً مستقراً، يقف فيه أبناؤه على أرضهم مرفوعي الرأس، وتبقى فيه السعودية واليمن جارين تجمعهما الأخوة والاحترام والمصالح المشتركة، وتظل فيه أبواب الرحمة والتعاون أوسع من أبواب الصراع والعداء. فشكراً للمملكة التي نرجو أن يبقى الخير بيننا وبينها ممتداً، والأمن لشعبيها محفوظاً، والأخوة بين اليمنيين والسعوديين راسخةً لا تهزها الفتن ولا تمحوها الأزمات.