التاريخ ليس حكايات تُروى للتسلية، بل هو مرآة تُريك وجهك، ومدرسة تُعلمك كيف لا تُلدغ من الجحر مرتين. ومن لم يتعلم من التاريخ، سيسقط بغباء عدم الفهم، لأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بأسماء جديدة.
عندما خرج العثمانيون من صنعاء، تمدد أئمة صعدة، فسيطروا على الشمال كله، ثم زحفوا جنوباً وسيطروا على الجنوب. غير أن المفارقة التي يجب أن نتوقف عندها طويلاً هي: لم يبق الزيدود طويلاً في أرض الجنوب، بينما استقر لهم المقام قروناً في الشمال.
لماذا؟ لأن الجنوب رفضهم. قامت في وجههم الثورات التي لم تهدأ ولم تتوقف، ثورة تلو ثورة، حتى لم يهنأ أئمة صعدة بالمقام في الأرض الجنوبية العصية. أرضٌ لا تقبل الضيم، فكان الطرد والدحر هو المصير. بينما بقي الشمال مستسلماً، راكعاً تحت سيطرتهم في خنوع دام قروناً.
دعونا من مناطق القبائل الزيدية، فقد ارتضت منذ قرون أن تكون هي الساعد العسكري والمدد البشري لدولة آل الرسي، وهذا خيارها التاريخي الذي لا نناقشه. ولكن السؤال الذي يحير العقل ويحتاج إلى وقفة تأمل هو: ما بال إخواننا شوافع تعز ومأرب وإب وريمة والحديدة؟
وهم أكثر عدداً، وأكثر تحضراً، وأصحاب أرض وجبال منيعة وحصون لا تُقهر. لماذا لم ينتفضوا؟ لماذا رضوا بألاستبداد وارتضوا البقاء في هامش التبعية؟ فمنهم من كان جندياً في جيش الإمام، ومنهم من كان رعية مسلوبة القرار.
وحتى لا ننسى، كانت البيضاء يوم كانت جنوبية الهوى والهوية لا تقبل الضيم كبقية أخواتها في الجنوب، تثور وتنتفض. فلما ضُمت إلى الشمال، أخذت من سماته الخضوع والاستسلام.
والأعجب من ذلك كله، أنه عندما كان الجنوب يتحرر ويطرد المحتل، كان الأجدر بشوافع الشمال وهم الأقرب جوارا ومذهباً إلى الجنوب، أن ينتفضوا معه ويكملوا معركة التحرير في أرضهم، ولكن لم يكن لهم في الحرب حيلة رغم كثرتهم ومنعة قراهم. فليس كل الرجال رجالاً في ميادين القرار، وإن كثُر عددهم.
والسؤال الأكبر الذي يحتاج لتفكر عميق: لماذا لم نجد جنوبياً واحداً في جيش الأئمة الغازي للجنوب، بينما كان شوافع الشمال بالآلاف في مقدمة ذلك الجيش الذي جاء لغزو الجنوب الشافعي السني آنذاك؟ إنها مفارقة تاريخية تكشف لك طبيعة الولاء والانتماء، ومن الذي يبيع أرضه ومن الذي يدافع عنها.
*واليوم التاريخ يعيد نفسه بحذافيره.*
اليوم أصبح الشمالي المشارك معك كذباً وزوراً في شرعية واحدة عبئاً ثقيلاً على الجنوب. فلا هو قاتل معك في خندق واحد بصدق، ولا هو قاتل عن أرضه ليحررها، وتركك أنت تقاتل نيابة عنه. ولم ننجُ من غدره من الخلف، ولم نسلم من ضجيجه الإعلامي وسرقته لانتصاراتنا وتضحياتنا، ولم نسلم أيضاً من تدفقه علينا بمئات الآلاف، إن لم يكن بالملايين، تاركاً أرضه للحوثي، ليكون خنجراً في خاصرتنا، وليزاحم أبناء الجنوب في معيشتهم وأرضهم ورزقهم.
فالتاريخ يعلمنا أن من لا يحمي أرضه لا يحمي أرض غيره، ومن رضي بالعبودية في أرضه، لن يكون شريكاً في الحرية في أرضك.