آخر تحديث :الجمعة-23 أكتوبر 2026-11:06م

معركة الجهراء .. العاشر من أكتوبر 1920م .. الحدود لا تحمى إلا بالحكمة قبل السلاح

السبت - 10 أكتوبر 2026 - الساعة 11:18 ص
أحمد سعيد العمودي


في تاريخ الخليج أيام لا تنسى .. أيام كتبت ببارود البنادق ودماء الرجال .. ومن أعظم تلك الأيام يوم العاشر من أكتوبر عام 1920 ميلادية الموافق عام 1339 هجرية .. يوم معركة الجهراء .. المعركة التي كادت أن تغير خريطة الخليج كله .. معركة بين إمارة صغيرة اسمها الكويت وقوة كبيرة اسمها سلطنة نجد .. وبينهما رجلان من كبار رجال العرب .. الشيخ سالم المبارك الصباح والملك عبد العزيز آل سعود .. وبينهما قائد إخواني عنيد اسمه فيصل الدويش المطيري


جذور الأزمة .. واحة اسمها البلبول


بدأت القصة قبل المعركة بشهور .. جنوب الكويت هناك واحة صغيرة اسمها البلبول .. تبعد عن ميناء الجبيل عشرين ميلا فقط .. أرض فيها ماء وعشب .. مهمة للبدو .. فبنى فيها الشيخ سالم الصباح حاكم الكويت حصنا صغيرا ليؤكد سيادته عليها .. فلما علم الملك عبد العزيز آل سعود بذلك اعتبره تعديا على أراضيه .. فكتب للشيخ سالم رسالة يقول فيها إن البلبول ضمن أراضي نجد ويطلب منه وقف التوسع في بناء الحصون.


لكن الشيخ سالم الصباح رفض هذا التحذير .. كان يرى أن البلبول كويتية منذ زمن الآباء .. فرد الملك عبد العزيز ببناء قرية بالقرب من البلبول .. وكأن كل طرف يضع حجرا ليقول هذه أرضى.


تدخلت بريطانيا التي كانت تحمي الكويت بموجب اتفاقية 1899 .. حاولت أن توسط .. أرسلت رسائل ومراسلات بين الرياض والكويت .. لكن النار كانت تكبر تحت الرماد .. فالشيخ سالم كان يتعاطف مع خصوم ابن سعود وخاصة ابن رشيد حاكم حائل .. وكان ابن سعود يرى أن الكويت تأوي أعداءه.


وهكذا تحول نزاع على واحة صغيرة إلى أزمة حدودية كبيرة


الإخوان يتحركون


في نجد كان هناك قوة ضاربة اسمها جيش الإخوان "إخوان من أطاع الله" .. وهم بدو تحضروا وتعلموا الدين وكانوا مقاتلين أشداء لا يهابون الموت .. وكان زعيمهم في ذلك الوقت فيصل بن سلطان الدويش شيخ قبيلة مطير .. رجل شجاع ومتهور يحب الحرب.


تحرك فيصل الدويش بأمر أو بدون أمر واضح من ابن سعود ومعه نحو أربعة آلاف مقاتل من الإخوان .. كلهم على الإبل والخيل .. واتجهوا نحو الشمال إلى الكويت .. وكان هدفهم تأديب الكويت وردعها عن التوسع.


وصل الدويش إلى منطقة الصبيحية شمالا ثم اتجه إلى الجهراء .. والجهراء قرية كبيرة غرب مدينة الكويت .. فيها نخيل وماء وقصر مشهور اسمه القصر الأحمر بناه الشيخ مبارك الصباح الكبير .. وكان الشيخ سالم المبارك الصباح موجودا في الجهراء مع قوة من الكويتيين تقدر بحوالي ألف وخمسمائة مقاتل .. بينهم حضر وبدو .. مسلحون ببنادق قديمة.


مجريات المعركة .. القصر الأحمر يصمد


بدأ الهجوم في صباح العاشر من أكتوبر .. هجم الإخوان الأربعة آلاف على الكويتيين .. وكانت المعركة غير متكافئة .. فعدد الإخوان أكثر وسلاحهم أفضل وخبرتهم في حرب الصحراء كبيرة .. فتراجع الكويتيون بعد قتال عنيف وقرروا أن يتحصنوا داخل القصر الأحمر


القصر الأحمر ليس قصرا كبيرا .. هو مبنى مربع من الطين له سور عال وأربعة أبراج .. لكنه قوي .. دخله الشيخ سالم ورجاله وأغلقوا الباب .. وبدأ الحصار.


حاصر فيصل الدويش القصر .. وحاول اقتحامه عدة مرات .. وكان الرصاص يأتي من كل جهة .. وكان الكويتيون يردون من فوق السور .. واستمر الحصار ساعات طويلة .. وكاد القصر أن يسقط .. لكن صمود من بداخله كان أسطوريا .. كانوا يعلمون أن سقوط القصر يعني سقوط الكويت كلها.


في مدينة الكويت سمع الناس بالهجوم .. فخرجت النجدات برا وبحرا .. خرج شباب الكويت مسرعين إلى الجهراء .. وأرسل الشيخ سالم رسالة استغاثة إلى بريطانيا .. فبريطانيا كانت ملتزمة بحماية الكويت.


وصلت طائرات بريطانية من العراق .. حلقت فوق قوات الإخوان في الصبيحية وألقت عليهم منشورات تأمرهم بالتراجع عن الصبيحية فورا .. ووصلت سفن حربية بريطانية إلى ميناء الكويت .. فأدرك فيصل الدويش أن بريطانيا دخلت الخط وأن المعركة ستتحول إلى حرب مع الإمبراطورية البريطانية .. فقرر الانسحاب والعودة إلى الصبيحية وعدم التوغل أكثر في الكويت.


الرواية الأخرى تقول إن الإخوان بعد أن فشلوا في اقتحام القصر قرروا أن ينسحبوا من تلقاء أنفسهم إلى الصبيحية .. وأن الشيخ سالم هو من طلب نجدة بريطانيا بعد أن شعر بالخطر.


الرسائل بعد المعركة


بعد المعركة أرسل برسي كوكس المعتمد البريطاني في الخليج رسالة احتجاج شديدة اللهجة إلى الملك عبد العزيز آل سعود يحتج فيها على اعتداء الإخوان على الكويت ويطلب منه أن يسحب قواته إلى أراضيه.


فرد الملك عبد العزيز برسالة يقول فيها إنه لم يأمر الدويش بالهجوم على الجهراء .. وإنما الذي زاد من توتر الموقف هو أن الشيخ سالم حشد قواته وأغار على أتباع نجد وسلب الأموال والجمال وقتل الرجال ثم عاد إلى الجهراء .. وأنه وافق على سحب قواته وتعهد بعدم الهجوم على الكويت إذا ما كف الشيخ سالم عن التآمر على نجد والتعاون مع خصومه وخاصة ابن رشيد.


أما الشيخ سالم فقد اعتبر أن صمود القصر الأحمر نصر كبير .. وأن الكويت الصغيرة استطاعت أن تقف أمام قوة كبيرة.


النتيجة والآثار .. من الجهراء إلى العقير


انتهت معركة الجهراء بصمود كويتي .. فشل الإخوان في اقتحام القصر الأحمر وفشلوا في إسقاط إمارة الكويت .. لكنها كانت جرس إنذار للجميع .. بريطانيا أدركت أن الحدود بين الكويت ونجد غير واضحة وأنها سبب للحروب.


لذلك بعد سنتين في الثاني من ديسمبر عام 1922 عقدت بريطانيا مؤتمر العقير الشهير .. دعا إليه برسي كوكس الملك عبد العزيز والشيخ أحمد الجابر الصباح حاكم الكويت الجديد بعد وفاة سالم وممثل العراق .. وفي العقير رسمت الحدود بين الكويت ونجد .. ووضعت المنطقة المحايدة .. وانتهى النزاع على البلبول.


وأصبح القصر الأحمر رمزا وطنيا كويتيا .. رمزا للصمود .. وكل كويتي يعرف قصة القصر الأحمر الذي صمد فيه ألف وخمسمائة رجل أمام أربعة آلاف مقاتل .. وأصبح العاشر من أكتوبر يوما محفورا في ذاكرة الكويت.


الخاتمة .. درس الجهراء


معركة الجهراء ليست مجرد معركة بين قبيلتين .. بل هي درس في السياسة والجغرافيا .. فهي تبين كيف يمكن لواحة صغيرة اسمها البلبول أن تفجر حربا .. وكيف يمكن لقصر من الطين أن يحمي دولة .. وكيف تدخلت بريطانيا لتفرض حدودا رسمت مصير الخليج حتى اليوم.


رحم الله الشيخ سالم المبارك الصباح ورجاله الذين صمدوا في القصر .. ورحم الله الملك عبد العزيز الذي كان يبني دولة .. ورحم الله فيصل الدويش الفارس الذي لم يهب الموت .. فقد كانوا جميعا رجالا من زمن الرجال .. واليوم نحن نذكرهم لنأخذ العبرة أن الحدود لا تحمى إلا بالحكمة قبل السلاح .....


دراسة تاريخية بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي

معركة الجهراء .. العاشر من أكتوبر 1920م .. الحدود لا تحمى إلا بالحكمة قبل السلاح .....



المصادر والمراجع :

مصادري هي المصادر والمراجع التي اعتمد عليها المؤرخون في توثيق معركة الجهراء 10 أكتوبر 1920م وهي كالتالي :


أولا : المصادر الكويتية الرسمية :


1- تاريخ الكويت .. لعبد العزيز الرشيد .. وهو أول كتاب حديث يوثق تاريخ الكويت .. طبع عام 1926 .. ذكر فيه معركة الجهراء بالتفصيل لأنه كان قريبا من الحدث.


2- القصر الأحمر .. سيف مرزوق الشملان .. أهم مرجع متخصص عن القصر وتاريخ بنائه ودوره في المعركة .. طبع بدعم من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت.


3- وثائق الأرشيف البريطاني .. ملفات الخليج العربي .. FO 371 .. وهي مراسلات برسي كوكس المعتمد البريطاني مع الملك عبد العزيز والشيخ سالم .. موجودة في الأرشيف الوطني البريطاني في لندن ومترجمة في مركز البحوث والدراسات الكويتية.


4- مركز البحوث والدراسات الكويتية .. وثائق الكويت في الأرشيف البريطاني .. يحتوي على رسالة برسي كوكس إلى الملك عبد العزيز بعد المعركة ورد الملك عبد العزيز.


ثانيا : المصادر السعودية النجدية :


5- تاريخ نجد الحديث .. لأمين الريحاني .. زار الملك عبد العزيز وكتب عن الإخوان وحركة إخوان من أطاع الله ودور فيصل الدويش.


6- عنوان المجد في تاريخ نجد .. لعثمان بن بشر .. وإن كان قديم .. لكن المؤرخين المعاصرين استندوا إليه لفهم خلفية الإخوان.


7- مذكرات خير الدين الزركلي .. الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز .. ذكر فيه رواية الملك عبد العزيز أنه لم يأمر بالهجوم مباشرة.


8- تاريخ المملكة العربية السعودية .. لعبد الله الصالح العثيمين .. جزء توحيد المملكة .. فصل الإخوان ومعركة الجهراء.


ثالثا : المصادر الأكاديمية المحايدة :


9- تاريخ الكويت السياسي .. لحسين خزعل .. يعتبر من أدق المراجع عن حدود الكويت ونزاع البلبول ومعركة الجهراء.


10- الكويت والخليج العربي .. لديكسون .. هارولد ديكسون المعتمد البريطاني في الكويت .. عاش في الكويت وكان شاهد عيان على أحداث ما بعد المعركة وكتب عنها في كتابه.


11- معاهدة العقير وترسيم الحدود .. لمحمد عرابي .. يربط بين معركة الجهراء ومؤتمر العقير 2 ديسمبر 1922م.


12- موسوعة تاريخ الخليج العربي .. لمجموعة باحثين بإشراف ب. ج. سلوت .. المجلد الخاص بالكويت ونجد.


13- جريدة القبلة الهاشمية .. أعداد عام 1920 و 1921 .. نشرت أخبار المعركة ومراسلات بريطانيا.


رابعا : مصادر حديثة للتوثيق والصور :


14. إدارة الآثار والمتاحف في الكويت .. ملف القصر الأحمر كمعلم تاريخي .. يوثق مكان المعركة بالصور والخرائط.


15. الأرشيف العثماني ثم البريطاني لخرائط الجبيل والبلبول .. يثبت موقع واحة البلبول التي تبعد عشرين ميلا عن الجبيل وهي سبب النزاع.