آخر تحديث :الإثنين-19 أكتوبر 2026-01:24ص

الحياة بين مطرقة الحصار وسندان الخذلان والاقتصاد المنهار

السبت - 10 أكتوبر 2026 - الساعة 08:48 ص
محمد ناجي


تختزل مدينة تعز في تفاصيلها اليومية حكاية شعب بأكمله، يرفض الموت رغماً عن كل الظروف. هذه المدينة التي كانت ولا تزال عاصمة الثقافة والفكر في اليمن، تجد نفسها اليوم محاصرة بين مطرقة حصار مستمر يخنق معظم أطرافها، وسندان انهيار اقتصادي وتجاهل رسمي حوّل معيشة سكانها إلى مأساة حقيقية تفوق قدرة البشر على الاحتمال.

حصار ممتد.. والحلول الجزئية لا تكفي

كناشطين إعلاميين، ننقل يومياً أنين هذه المدينة، ونؤكد للعالم أن الحصار في تعز ليس مجرد مصطلح سياسي يُناقش في أروقة المشاورات؛ بل هو طوق يلتف حول أعناق مئات الآلاف من المدنيين. ورغم أن فتح طريق (حوض الأشراف - جولة القصر) شكّل متنفساً جزئياً طال انتظاره وخفف شيئاً من معاناة المسافرين، إلا أن الحقيقة المرّة التي يجب ألا تغيب عن الصحافة هي أن تعز لا تزال محاصرة.

إن إغلاق بقية الطرق الرئيسية وشرايين الحياة الطبيعية يفرض على المواطنين والتجار عبء المرور عبر طرق جبلية وعرة وغير آمنة مثل (نقيل هيجة العبد). هذا الوضع لم يعد مقبولاً، وتحويل ملف تعز الإنساني إلى ورقة مقايضة سياسية هو جريمة مستمرة بحق الطفولة والمدنيين.

الانهيار المعيشي.. السندان الذي يسحق المواطن

وعلى الجانب الآخر من المعاناة، تقبع تعز تحت سندان التدهور الاقتصادي غير المسبوق وغياب الخدمات. مع الانهيار التاريخي لقيمة العملة المحلية وارتفاع الأسعار الجنوني، تحولت لقمة العيش إلى جهاد يومي مرير. فالرواتب تآكلت، والقدرة الشرائية انعدمت، وتكلفة نقل البضائع عبر المنعطفات الجبلية ضاعفت من كاهل المواطن البسيط.

يضاف إلى ذلك شبه غياب كامل للخدمات الأساسية؛ فالكهرباء والمياه والنظافة والرعاية الصحية أصبحت أمنيات بعيدة المنال. المستشفيات في تعز تصارع للبقاء بمجهودات شحيحة، بينما يتفشى الفقر والبطالة في أوساط الشباب والمثقفين الذين باتوا بلا أمل في غد قريب، وسط خذلان واضح من الجهات المعنية التي تركت تعز وحيدة تدبر أمرها وسط هذا البحر من الأزمات.

روح لا تموت وعزيمة لا تنكسر

العجيب في تعز، ورغم وقوعها بين هذا الإطباق المحكم للمطرقة والسندان، أنها ترفض الاستسلام. ففي كل زاوية من زواياها، ترى مظاهر الحياة تنبثق من ركام المعاناة؛ تقام معارض الكتاب، يذهب الأطفال إلى مدارسهم، ويبتكر الشباب مبادرات مجتمعية لترميم ما أفسدته الظروف. هي مدينة تمتلك طاقة استثنائية على الصمود، لكن الصمود لا يعني الصمت على استمرار خنقها.

الخاتمة: كفى مقايضة بآلام تعز

إن بقاء تعز رهينة لهذا الوضع المأساوي هو وصمة عار في جبين الإنسانية والضمير السياسي المحلي والدولي. لا يمكن الحديث عن أي سلام حقيقي أو استقرار في اليمن ما لم تبدأ خطواته الأولى من فك الحصار كاملاً وغير مشروط عن تعز، وفتح كافة طرقاتها، وإنقاذ الوضع الاقتصادي والخدمي فيها بشكل عاجل.

لقد حان الوقت لتخرج تعز من مربع الوعود الهشة والمساومات السياسية إلى فضاء الحرية والحياة الكريمة التي تستحقها. تعز ليست مجرد جغرافيا للمقايضة، بل هي قلب اليمن النابض، وإذا استمر خنق هذا القلب، فلن يتعافى الجسد اليمني أبداً.