آخر تحديث :الخميس-08 أكتوبر 2026-12:56ص

أكتوبر 1973م.. يوم انكسرت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر

الأربعاء - 07 أكتوبر 2026 - الساعة 08:45 م
د. سلطان مشعل


لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية أخرى في سجل الصراع العربي–الإسرائيلي! بل كانت لحظة عربية نادرة استعاد فيها المقاتل العربي زمام المبادرة واستعادت الأمة شيئًا من ثقتها بنفسها، وسقطت أمامها واحدة من أكثر الأساطير العسكرية رسوخا: أسطورة الجيش الذي لا يُقهر.


كانت المعركة قد بدأت قبل أن تبدأ.


بدأت بالقرار ثم بإعادة ترتيب البيت العسكري ثم بالتخطيط الهادئ والدقيق وصولًا إلى اللحظة التي كان ينتظرها الجميع ولا يعرفها أحد من الخصم.


المبادأة والمباغتة.


وهنا كانت المفاجأة.


في السادس من أكتوبر اندفعت القوات المصرية لعبور قناة السويس واقتحمت خط بارليف وتحصيناته، ذلك الخط الذي أحيط به من الدعاية العسكرية الإسرائيلية ما جعله يبدو كأنه جدار يستحيل اختراقه.


لكن الجدار انهار.


وعبرت القوات المصرية القناة واشتعلت الجبهة وانتقلت الحرب من أرض الانتظار إلى أرض المبادرة.


لم يكن المشهد مجرد عبور قناة! بل كان عبورًا من حالة الانكسار إلى حالة الفعل.


فقد أثبتت الحرب أن التفوق العسكري مهما بلغ لا يعني امتلاك النصر إلى الأبد. وأن التكنولوجيا والسلاح والتحصينات لا تستطيع وحدها أن تحسم معركة إذا كان الطرف الآخر يمتلك التخطيط والإرادة والمبادأة والقدرة على استثمار اللحظة.


إستيقظت إسرائيل على حرب لم تكن تتوقع توقيتها ولا حجمها ولا طبيعة المفاجأة التي حملتها.


وسقطت صورة الجيش الذي لا يُقهر.


وهنا تكمن القيمة الأكبر لأكتوبر.


فالمعركة لا تُقاس فقط بما تحقق على الأرض وإنما بما أحدثته في وعي الإنسان العربي.


بعد سنوات من هزيمة 1967م جاءت أكتوبر لتقول للعربي إن الهزيمة ليست قدرا أبديا وإن التفوق الإسرائيلي ليس قانونا من قوانين التاريخ وإن القوة حين تُدار بالعقل والإرادة تستطيع أن تغيّر ميزان المعركة.


كان أكتوبر استعادة للأرض لكنه كان أيضا استعادة للثقة والكرامة.


لقد أثبت المقاتل العربي في تلك الحرب أن المشكلة لم تكن يومًا في غياب القدرة بقدر ما كانت في كيفية تنظيمها وتوجيهها وتوظيفها في اللحظة المناسبة.


وهنا تظهر مجموعة من الحقائق التي ينبغي ألا يغطي عليها غبار الزمن:


العربي يستطيع أن يخطط.


العربي يستطيع أن يباغت.


العربي يستطيع أن يقاتل.


العربي يستطيع أن يصبر.


والعربي يستطيع أن ينتصر حين تتوافر له القيادة والإرادة والهدف.


لقد كشفت حرب أكتوبر عن قدرات ظلت كامنة في الشخصية العربية ثم ظهرت في الميدان دفعة واحدة: دقة التخطيط وحسن تقدير الخصم وبراعة الأداء والشجاعة والمثابرة والإيمان بالقضية والاستعداد للتضحية من أجل الأرض والكرامة.


ولهذا فإن أكتوبر ليس ذكرى ينبغي أن توضع في إطار على جدار التاريخ ثم نمر أمامها كل عام.


إنه وثيقة قوة.


وذاكرة انتصار.


ودليل حي على أن الأمة التي تتعلم من انتصاراتها تستطيع أن تبني عليها، كما أن الأمة التي تنسى انتصاراتها تترك جزءًا من قوتها مدفونًا في الماضي.


الهزائم تبقى جراحًا في ذاكرة الشعوب وقد تتحول مع الزمن إلى ذكريات مؤلمة.


أما الانتصارات الحقيقية فلا ينبغي أن تنتهي بانتهاء المعركة.


إنها تتحول إلى خبرة وثقة وإرادة ومنهج للمستقبل.


ولذلك لا ينبغي قراءة أكتوبر باعتباره حدثًا مضى وانتهى بل باعتباره سؤالًا مفتوحًا أمام الأجيال:


ماذا يحدث عندما تؤمن الأمة بقدرتها على الفعل؟


والجواب جاء من رمال سيناء ومياه القناة ذات يوم:


تسقط الأساطير... وتتغير المعادلات... ويبدأ التاريخ في كتابة صفحة جديدة.


ذلك هو أكتوبر.


يوم لم يعبر فيه الجيش المصري قناة السويس فقط! بل عبرت معه أمة عربية من ضفة الانكسار إلى ضفة الكرامة.