آخر تحديث :الخميس-08 أكتوبر 2026-12:56ص

طهران على حافة بركان الشارع

الأربعاء - 07 أكتوبر 2026 - الساعة 07:52 م
محمد المسبحي


حين تمعن النظر في تاريخ الدول الكبرى التي تختزل جغرافيتها تاريخًا عريضًا من الصدام والتطلع، تدرك أن أزماتها الكبرى لا تولد فجأة على ألسنة السياسيين، بل تنضج ببطء في تفاصيل العيش اليومي للناس.

وما تقاسيه إيران اليوم هو تجلي عميق لتآكل البنيات الاقتصادية والاجتماعية تحت وطأة سياسات طال أمدها. وحين تعجز عوائد الموارد عن سد رمق مجتمع أنهكته العقوبات وتكاليف المعيشة، تفقد خطابات التعبئة والتصدي الخارجي بريقها تدريجيا لتتحول من أدوات توحيد وطني إلى مجرد شعارات خاوية يقرأ الناس من خلالها عجز الإدارة عن توفير مقومات الاستقرار البسيط.

وفي المشهد الخارجي، تبدو طهران متمسكة بالمكابرة الممزوجة بالقلق. فالعقوبات الملتفة حول العنق الاقتصادي لا تترك هامش واسع للمناورة، والملف النووي تحول إلى ضغط إضافي يضاعف من عزلة الداخل.

ورغم أن طهران تتقن فن اللعب على حافة الهاوية الإقليمية، وتوظف أوراق نفوذها هنا وهناك لجعل كلفة تجاوزها باهظة على خصومها، إلا أن هذا التكتيك يضاعف المخاطر ويغلق المنافذ الآمنة أمام أي تسوية حقيقية.

إن تداخل الجبهات وتشابك الملفات يجعل من كل أزمة إقليمية صدىً مباشرًا لضغط إضافي يقع وقعه الأثقل على كاهل الاقتصاد المنهك والمواطن الذي بات يحصي خسائره يوميا.

غير أن المعيار الحقيقي الذي تتقرر على أساسه مآلات الأمور يكمن في الداخل، وليس في الإقليم..فالشارع الإيراني الذي خبر الاحتجاجات وانكساراتها لا ينسى دروس الميدان، وغيابه المؤقت تحت وطأة القبضة الحديدية لا يعني بحال من الأحوال أن الأسباب التي أخرجته قد تلاشت.

فالهدوء المخيم على المدن ليس سوى استراحة محارب إجبارية في وجه آلة أمنية لا تهدأ، وهي آلة تدرك، بفطرة السلطة المأزومة، أن السيطرة على الشوارع والساحات شئ وإخماد نيران الغضب الدفين شيء آخر تماما

وحين تصبح المعالجة الأمنية هي الخيار الأوحد والرد الأبدي على مطالب معيشية واقتصادية ملحّة، فإن النظام يدخل في معركة عبثية يحاول فيها محاربة الظل بدل الجسد.

وتكمن المفارقة الموجعة التي تحكم المشهد الإيراني الراهن تتلخص في أن الحاكم يشدد قبضته مرغما لأنه يرى شبح السقوط في كل ركن، بينما يرزح المجتمع تحت ضغوط تجعل من التمرد خيار منطقي وحيد في مواجهة طريق مسدود.

فالتاريخ علمنا أن القمع المفرط قد يطيل عمر الأنظمة، لكنه لا يصنع استقرارًا، وأن الجدران الأمنية مهما صلبت تبقى عاجزة عن حجب الحقائق الساطعة عن عيون مجتمع قرر، طال الزمان أو قصر، أن يبحث عن كرامته المهدورة في قلب الميدان.