تمر بنا اليوم الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر؛ ذلك اليوم الذي خرجت فيه غزة من صمت الحصار إلى صخب التاريخ، ووضعت القضية الفلسطينية بكل أثقالها وجراحها.... في قلب المشهد العالمي من جديد.
ثلاث سنوات مضت وما زالت غزة تنزف، وما زالت صور الخراب والدمار والأمهات الثكالى والأطفال تحت الأنقاض شاهدة على واحدة من أكثر صفحات الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي قسوةً وكلفةً إنسانية.
ومع ذلك:
فإن التاريخ لا يقرأ الأحداث الكبرى من زاوية الدم وحده، ولا يقيسها فقط بعدد الأيام التي استمرت فيها المعارك....
وإنما ينظر كذلك إلى ما أحدثته من تحولات في الوعي، وفي موازين القوة، وفي صورة الدولة والجيش والمجتمع، وفي الطريقة التي أعاد بها العالم النظر إلى قضية ظن كثيرون أنها دُفنت تحت ركام التسويات والاتفاقيات والتطبيع.
لقد كان السابع من أكتوبر في أحد أبعاده الاستراتيجية.....صدمة كبرى للنظرية الأمنية الإسرائيلية.
فالدولة التي بنت جزءًا من صورتها على التفوق الاستخباري والتكنولوجي، وعلى منظومة حدودية متقدمة، وجدت نفسها أمام اختراق واسع ومفاجئ وغير متوقع .
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل ذلك اليوم:
أن المعارك الكبرى لا تبدأ يوم إطلاق النار...
وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات؛ في الإنسان، وفي التربية، وفي الإعداد، وفي الصبر، وفي تراكم الخبرة، وفي بناء القدرة على الانتظار الطويل حتى تحين اللحظة.
لم يكن ما جرى وفق التحليلات المبكرة التي ظهرت منذ الساعات الأولى، وليد قرار لحظي أو اندفاع عاطفي عابر....
فقد أشارت تحليلات إلى أن العملية كانت مخططة منذ فترة طويلة، وأن الحركة استفادت من خبرات متراكمة في مواجهة الحدود والمنظومة الأمنية الإسرائيلية...
( وهذا هو المعنى الأعمق للإعداد )
فالإعداد ليس كثرة السلاح وحدها، ولا وفرة المال، ولا امتلاك التكنولوجيا..
وإنما الإعداد الحقيقي هو إعداد الإنسان قبل إعداد الميدان.
أن تصنع إنسانًا يعرف لماذا يقاتل، ويعرف لماذا يصبر، ويعرف قيمة الوقت، ويعرف أن المعركة ليست لحظة غضب، وإنما امتحان طويل للإرادة.
وهنا تظهر قيمة التضحية.
فالأمم لا تحفظ حريتها بالشعارات، ولا تستعيد حقوقها بالأمنيات، ولا تصنع تاريخها بالخطب وحدها.
التاريخ تصنعه إرادات قادرة على دفع ثمن ما تؤمن به.
وليس معنى ذلك أن الدم غاية، أو أن الموت فضيلة في ذاته....
وإنما قيمة التضحية أنها تكشف مقدار استعداد الإنسان لأن يبذل من نفسه وراحته وأمنه في سبيل قضية يراها هو عادلة.
ولذلك ظل مفهوم الجهاد في الوعي الإسلامي مرتبطًا بمعاني البذل والثبات والدفاع وتحمل المشقة...
لا بمجرد العنف المجرد ولا بإباحة دماء الأبرياء.
ومن هنا فإن أعظم ما ينبغي أن نتعلمه من التجارب العسكرية والسياسية ليس فن الاشتباك، وإنما فقه الاستعداد: كيف تبني أمة قدرتها، وكيف تربي أبناءها على الصبر والانضباط، وكيف تحول الهزيمة المؤقتة إلى معرفة، والحصار إلى خبرة، والضعف إلى إرادة، والانتظار إلى تراكم للقوة.
لقد كشف السابع من أكتوبر أيضًا هشاشة بعض التصورات التي كانت ترى أن القضية الفلسطينية يمكن أن تُدفع تدريجيًا إلى هامش الاهتمام العربي والدولي، وأن الاقتصاد والتطبيع والتحالفات الإقليمية يمكن أن تجعل الصراع القديم مجرد ملف ثانوي.
وقد أشارت تحليلات لاحقة إلى أن الحرب التي اندلعت بعد ذلك لم تبقَ محصورة في غزة، بل ساهمت في إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، وانتقلت المنطقة من صراعات منخفضة الوتيرة إلى مواجهات أكثر مباشرة واتساعًا.
وهنا يمكن فهم السابع من أكتوبر باعتباره (زلزالًا استراتيجيًا)...
ليس بمعنى أنه حسم الصراع، ولا بمعنى أن نتائجه كانت لصالح طرف واحد، فذلك حكم لا يزال التاريخ مفتوحًا عليه، وإنما بمعنى أنه هزّ منظومة كاملة من التصورات التي استقرت لعقود.
لقد اهتزت صورة «الجيش الذي لا يُقهر»، واهتزت فكرة الأمن المطلق، واهتز الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على إلغاء القضية الفلسطينية.
ولكن غزة دفعت ثمنًا باهظًا لهذا الزلزال.
وهنا تكمن المأساة الكبرى.
فبينما يتحدث التاريخ عن المفاجأة والاختراق والتحول الاستراتيجي، كانت غزة تدفع من أجساد أطفالها، ومن بيوتها، ومن مستشفياتها، ومن مدارسها، ومن مستقبل أجيالها.
ولهذا فإن الوفاء لغزة لا يكون بتحويل آلامها إلى قصيدة عابرة، ولا باختزالها في صورة بطولة أو هزيمة؛ وإنما بأن نفهم الدرس كاملًا:
القضايا الكبرى تحتاج إلى إعداد كبير، وإلى وعي كبير، وإلى قيادة مسؤولة، وإلى إنسان يعرف قيمة الحياة كما يعرف قيمة التضحية.
لقد أثبتت غزة أن الشعوب التي تُحاصر جغرافيًا لا يمكن بالضرورة أن تُحاصر تاريخيًا.
وأن الجدار قد يمنع الجسد من العبور، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنع الفكرة من البقاء.
وأن التفوق التكنولوجي لا يلغي إرادة الإنسان.
وأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تمنح الأمن الدائم لقضية لم تجد طريقها إلى حل سياسي عادل.
لهذا يا غزة...
رغم جراحاتك الغائرة، ورغم البيوت التي سقطت، والأسماء التي غابت، والأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، والأطفال الذين كبروا قبل أوانهم...
فأنت في القلب.
أنت في القلب لأنك ذكّرت العالم بأن وراء الخرائط إنسانًا، ووراء الأرقام شعبًا، ووراء الأخبار اليومية قضيةً لم تمت.
وفي القلب لأنك جعلت العالم يرى أن القضية الفلسطينية ليست صفحة من الماضي، بل سؤالًا مفتوحًا في ضمير هذا العصر.
وسيظل السابع من أكتوبر بكل ما حمله من صدمة وألم ودماء وتداعيات....
يومًا من أيام التاريخ التي تحتاج إلى قراءة هادئة وعميقة؛ لا قراءة الانفعال وحده.
وفي النهاية، تبقى غزة هي غزة:
مدينةً صغيرةً في الجغرافيا...
كبيرةً في الذاكرة...
ومثقلةً بالجراح...
لكنها حاضرة في القلب.
فرغم جراحاتنا الغائرة... فأنت في القلب يا غزة.