آخر تحديث :الخميس-08 أكتوبر 2026-12:56ص

لم تكن عدن تنتظر الفجر، كانت تنتظر، أن تعرف: إلى أين تمضي هذه الحرب؟

الأربعاء - 07 أكتوبر 2026 - الساعة 05:50 م
محمد خالد الحسيني


قبل أن تفتح المدينة عينيها على صباح جديد، كانت السماء تحمل رسائل صاروخية ومسيّرات، فيما وجد مطار عدن الدولي نفسه في قلب مشهد عسكري لا يشبه وظيفة المطارات ولا حياة المدن.

وهنا تحديداً تكمن خطورة ما جرى، فحين تقترب الصواريخ من مدرج مطار مدني، لا يعود الأمر مجرد تفصيل في دفتر العمليات العسكرية.

يصبح السؤال متعلقاً بأمن مدينة كاملة، وبقدرة الناس على السفر والوصول والعيش بعيداً عن الحسابات العسكرية.

وهذا، برأيي، هو المعنى الأخطر في ليلة عدن.

عملية «فجر اليمن» دخلت المشهد باعتبارها عملية عسكرية واسعة، لكن وصول تداعياتها إلى عدن يفرض سؤالاً أكبر من بيانات الجبهات: هل نحن أمام تغيير في قواعد الاشتباك، أم أمام اتساع تدريجي لدائرة الحرب؟

إذا كانت المملكة قد حددت صنعاء وعمران وصعدة باعتبارها مصدر التهديد الصاروخي المباشر على السعودية، فهل تقوم «فجر اليمن» فقط بتحييد الخطر الحوثي على السعودية؟

في الحقيقة، كثير من المؤشرات توحي بأن تأمين الملاحة وباب المندب، وتحييد المرتفعات والمواقع الاستراتيجية، واستهداف المخزونات الصاروخية والطائرات المسيّرة، تمثل جزءاً أساسياً من أهداف العملية.

لكن السؤال يبقى: هل تستطيع «فجر اليمن» بالفعل تحييد هذا الخطر والتهديد؟

يصعب منح إجابة نهائية قبل اتضاح الصورة الميدانية كاملة.

لكن كيف نفهم ذلك بعد ما جرى في الساحل وباب المندب، وبعد عدم تمكن العملية حتى الآن من استعادة ما فُقد خلال الأحداث الماضية؟

كيف تحارب السعودية، ومعها الحكومة والمجلس الرئاسي، إذا كان الحوثي لا يزال يهاجم ويستعيد المبادرة، ويستهدف العاصمة عدن بالصواريخ والمسيرات، ويهاجم مطار عدن الدولي، ويستهدف قواعد في السعودية، ويتحرك على أكثر من جبهة؟

أين هي «فجر اليمن» من حقيقة ما يجري؟

صحيح أن الطيران الحربي يقصف صنعاء ويضرب في أكثر من جبهة، وأن القوات الحكومية في مأرب والوازعية تحقق تقدماً محدوداً، لكن ما حذرنا منه مسبقاً لا يزال قائماً: الحوثي لا يزال يمتلك القدرة على تهديد الملاحة وأماكن حساسة وخطيرة، حتى إذا حُرم من بعض الموانئ والمناطق الاستراتيجية الحيوية، نظراً لما يمتلكه من صواريخ ومسيرات وأوراق ضغط لا تزال في يده وبإمكانه استخدامها.

فهل تسير «فجر اليمن» باتجاه استعادة الدولة اليمنية، أم فقط باتجاه تحييد المخاطر التي تهدد مصالح السعودية والإقليم؟

وحتى إذا كان الأمر كذلك، فإن المؤشرات الحقيقية والميدان لا يوحيان بأن الأمور تسير بسهولة في هذا الاتجاه.

فإذا كان الحوثي لا يزال يهدد ويهاجم ويصل إلى أماكن خطيرة وحساسة، فأين الردع من كل ما يجري؟

هنا تحديداً تصبح المسألة أكثر تعقيداً.. فالح الحرب ليست شاشة تعرض انتصاراً وخسارة، الحرب، في نهاية المطاف، هي رحلة مدنية يتم تحويل مسارها، وأُسرة تسمع الانفجار في منتصف الليل، وموظف لا يعرف إن كان سيصل إلى عمله صباحاً، ومدينة تستيقظ وهي تسأل: هل ما حدث الليلة الماضية سيتكرر الليلة القادمة؟

ومن هنا، فإن «فجر اليمن» أمام اختبار أكبر من اختبار الميدان.. إذا كان الهدف هو استعادة مؤسسات الدولة وفرض الأمن، فإن المعيار الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط مقدار التقدم العسكري، بل أيضاً القدرة على حماية المدن والمنشآت المدنية ومنع انتقال الحرب إلى حياة الناس اليومية.

أما إذا تحولت العملية إلى حلقة جديدة في مسلسل التصعيد المتبادل، فإن اليمن لن يكون أمام فجر جديد، بل أمام ليل طويل.

عدن تعرف معنى ذلك.. هذه المدينة دفعت ثمناً باهظاً في سنوات الحرب، ولذلك فإن تحويل سمائها ومطارها ومينائها إلى رسائل متبادلة بين أطراف الصراع لن يقود وحده إلى نهاية الحرب.

قد يغير خطوط السيطرة، وقد يفرض واقعاً عسكرياً جديداً، لكنه لا يصنع بالضرورة سلاماً ولا دولة.

والأخطر أن تصبح المدن مجرد أدوات في معادلة القوة سواء في صنعاء أو في عدن أو غيرها من المدن، وأن يتحول المدنيون إلى أرقام هامشية في بيانات عسكرية متبادلة.

والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً الآن ليس فقط: من يملك القدرة على إطلاق الصاروخ؟

بل، وهو الأهم: من يملك القدرة على إيقاف دوامة الصواريخ؟

فالقوة تستطيع أن تبدأ معركة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تكتب نهايتها.. وفي عدن، قبل الفجر، كان صوت الانفجار أكبر من مجرد حدث أمني.

كان تذكيراً قاسياً بأن الحرب حين تتسع، لا تسأل المدن إن كانت مستعدة لدفع ثمنها.. وقد يكون الفجر قد أتى على عدن، لكن السؤال الحقيقي، كما أراه، يبقى قائماً: هل يحمل هذا الفجر بداية طريق إلى دولة، أم بداية ليلة أخرى من الحرب؟

وإذا كان الحوثي لا يزال يملك وسائل الردع، يناور، ويهاجم، ويصل إلى مواقع حساسة، ويتحكم في إيقاع المعركة، فإن السؤال يصبح أكثر قسوة:

أين الردع من كل ما يجري؟