العالم يملك ذاكرة انتقائية عجيبة في اليمن. يتذكر حادثة دهس في باب المندب بسبب تعرض سائقها لإطلاق نار أفقدها السيطرة على المقود في قلب معركة وذيلها بأخرى مفبركة، ويحولها إلى قضية رأي عام دولي، وينسى في نفس الوقت أكثر من 900 منزل مفجر، وآلاف المخفيين قسرًا، وتصفية ممنهجة داخل سجون صنعاء.
لم يعد تفجير المنازل مجرد انتقام عشوائي، بل تحول إلى سياسة ممنهجة ترتقي إلى مفهوم التطهير العرقي وإهلاك السكنى، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم.
أولاً: التطهير العرقي وإهلاك السكنى - جريمة حرب موثقة
المسؤولية الجنائية الدولية: يعتبر تدمير ممتلكات الخصم أو منازله دون ضرورة عسكرية قاهرة انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني العرفي - القاعدة 50 واتفاقيات جنيف، المادة 53 والمادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة.
تصنيفها كجريمة حرب: إن التعمد في تدمير أو قصف المنازل السكنية المدنية يصنف كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. وتوصف أحدث التقارير الحقوقية هذا الفعل المنهجي بأنه إهلاك السكنى، وهو مصطلح قانوني يعني التدمير الممنهج للمساكن بهدف طرد جماعة معينة من منطقة جغرافية.
المقاربة الأخطر: عندما يتم تفجير منزل في البيضاء لأنه ينتمي لقبيلة معينة، ومنزل في تعز لأنه ينتمي لمذهب معين، أو إرث يهودي أو إرث مسيحي، ومنزل في مأرب لأنه معارض سياسي، فإننا لم نعد أمام جريمة فردية، بل أمام نمط سلوكي ممنهج. هذا هو جوهر التطهير العرقي.
ثانيًا: الأرقام التي تدين الصمت الدولي
بحسب تقارير حقوقية رسمية موثقة، مثل الشبكة اليمنية للحقوق والحريات ومنظمة ميون لحقوق الإنسان، فجر الحوثيون أكثر من 900 منزل لمواطنين ومعارضين لهم منذ بدء النزاع، وتتركز بشكل رئيسي في تعز، البيضاء، مأرب، صنعاء، إب، والجوف.
وفي محافظة تعز وحدها، يتجاوز عدد الضحايا المدنيين جراء القصف الحصاري منذ 2015 وحتى أواخر 2025 أكثر من 18,000 إلى 20,000 مدني بين قتيل وجريح. وجاري رصد التطورات الجارية منها منزل تفجير الشيخ إبراهيم المقرمي، والتنكيل بالعديد من أهالي ضاحيتي قَدَس وبني يوسف في الحجرية لسبب بسيط أنها مناطق إرث ديانات سماوية.
ثالثًا: العالم نسي.. من يذكر من تمت تصفيتهم في السجون؟
هنا تكمن ازدواجية المعايير.
العالم نسي الأمريكي بلال فطين، الذي تمت تصفيته داخل سجن الأمن السياسي، الأمن والمخابرات في حدة بصنعاء. لم يمت في معركة، بل مات تحت التعذيب في زنزانة تتبع جهازًا أمنيًا يفترض به حماية الناس. مواطن أمريكي يموت في سجن سياسي في صنعاء ولا يفتح تحقيق دولي شفاف.
العالم نسي كيف تمت تصفية محمد قحطان، السياسي اليمني المعروف، الذي أخفي قسرًا لسنوات ثم أعلن عن مقتله دون تسليم جثمانه.
العالم نسي موظفي المنظمات الدولية أنفسهم. موظفون أمميون يمنيون تم اختطافهم من منازلهم ومكاتبهم. البعض خرج جثة هامدة، والآخرون حكم عليهم بالإعدام في محاكمات صورية بتهمة التجسس، لمجرد أنهم كانوا يعملون في مجال الإغاثة.
العالم نسي آلاف المشردين والمخفيين قسرًا. آلاف اليمنيين من سياسيين وإعلاميين وناشطين وطلاب، لا يعرف أهلهم إن كانوا أحياء أم أمواتًا.
رابعًا: التداعيات الإنسانية
النزوح القسري، ومحو الذاكرة والمدخرات، وتأصيل ثقافة الانتقام التي تجعل المصالحة الوطنية مستحيلة.
الخلاصة: عدالة انتقائية
المجتمع الدولي يستنفر كل أدواته لحادثة فردية في البحر، بينما يصمت أمام سجن الأمن والمخابرات في حدة، وأمام 900 منزل مفجر، وجديد اللحظة في تعز.
من لا يستطيع أن يدين تفجير 900 منزل، وتصفية مواطن أمريكي داخل سجن، وحكم إعدام بحق موظف إغاثة، لا يحق له أن يحدثنا عن القانون الدولي في باب المندب.
العدالة التي لا ترى المنازل المفجرة والمخفيين خلف القضبان، لن ترى وطنًا كاملًا يهدم.
باحث استراتيجي يمني