عندما يتحول عمل السلطة إلى عمل حزبي ضيق، وعندما تتسلل الحزبية إلى محراب التربية والتعليم، فإننا لا نكون أمام خطأ إداري عابر، بل أمام جريمة مكتملة الأركان تُرتكب بحق التعليم وأهله، جريمة تستدعي وقفة جادة ومحاسبة صارمة لكل من مارس الإقصاء الحزبي في مرافق الدولة، وفي الميدان التربوي على وجه الخصوص.
كنا نأمل أن يكون تكريم المعلم الأبيني في عيده الوطني بصرف حافزه الشهري تكريماً مستحقاً، لا منّة ولا تمييزاً، بل مساواةً بزملائه في المحافظات المحررة. فكل معلمي المحافظات المحررة يتقاضون حوافزهم، فلو جمعنا ما صُرف للمعلم في عدن لوجدنا أنه تجاوز المليوني ريال خلال سنوات، في حين بقي المعلم الأبيني كأنه ليس من نفس الميدان، وكأننا لا نعيش في وطن واحد، بل في أوطان شتى فرقتها الأهواء الحزبية.
وقبل أن نبدأ في تفاصيل الجرح، لا بد من التوضيح: لقد فوجئنا بأن السلطة المحلية في أبين قامت باختيار عدد محدود من معلمي المحافظة لتكريمهم بمناسبة عيد المعلم، في تكريم انتقائي بعيد كل البعد عن التكريم الجماعي المستحق، ولو كان بصرف حافزهم أسوة ببقية المحافظات. وهو في حقيقته واجبٌ متأخر لا تكريم، ولكن كما يقول المثل الشعبي : "شي ولا ماشي"، فقبلنا بالحد الأدنى على مضض، على أمل أن يكون بداية إنصاف لكن دون فائدة.
واليوم، لا ندري بأي معيار تم اختيار المكرمين؟ وما هي المقاييس التي اعتُمدت؟ أم أن حزباً بعينه بات هو الآمر الناهي في هذا الملف؟ ذلك الحزب الذي كان أول من فكك العمل التربوي، ولا يزال الناس يذكرون كيف استولى على المدارس وحولها إلى مقرات ومؤسسات خاصة به، يوم جاء على دبابة المنتصر، فجعل من المدرسة غنيمة، ومن السبورة منبراً للولاء.
إن المعلم في أبين اليوم محروم من كل شيء. كنا نتمنى أن يُعامل كإخوته في باقي المحافظات، ولكن يا حسرتاه على أبين ورجالها! لا يُذكرون إلا حين تدفع الفواتير، فواتير من دماء أو جبايات، دون أن يُعطى أبناؤها شيئاً من حقهم. والمؤلم أن من يطعن أبين هم أبناؤها، ينفذون أجندات من جاء بهم ليدمروا المحافظة ويفرغوها من كفاءاتها.
في مكتب المحافظ أناس لا يفقهون من العمل العام إلا خدمة أحزابهم، وكأن المحافظة قد مُنحت لهم صكاً حصرياً لترتيب أوضاع حزبهم، فمن لم يكن على هواهم، ومن كانت توجهاته عكس توجهاتهم، فلن يُسمح له بالاقتراب، ولن يُفتح له باب.
لقد عزلوا اللواء الدكتور مختار الهيثمي عن محيطه الأبيني، وأبعدوا قيادة المحافظة عن الاستماع لأي صوت لا يعزف على نغماتهم. وجعلوا من أبين غنيمة لفصيل واحد لا يحظى بأي شعبية فيها، فالناس خبروا ماضيه القديم والقريب، والتاريخ لا ينسى، والشعوب لا تموت ذاكرتها.
وعندما علمتُ أن اسم الأستاذ المناضل سعيد الدوبحي ليس ضمن قائمة المكرمين، والله استغربت! عن أي معايير تتحدثون؟ كيف يُغيّب هذا الجبل التربوي الشامخ؟ إنه ليس مجرد معلم فحسب، بل كادر تربوي يمتلك من الكفاءة والخبرة ما شهدت له به العقود، أفنى سنوات عمره بلا كلل ولا منة، يربي الأجيال ويغرس القيم.
هو أكثر من أستاذ؛ هو ناشط حقوقي نذر نفسه لنصرة المعلم بجهد ذاتي، قدم ما لم يقدمه أصحاب الغرف المغلقة والمكيفات. عرفه الميدان كما عرفته الصفوف، مناضلاً جسوراً لا يخاف في الحق لومة لائم، ولا يهادن من أجل مصلحة. سار في رمضاء أبين الحارقة، يصول ويجول في ساحاتها، حتى انتفخت قدمه وبُترت، فدفع ثمن مواقفه من جسده، وخارت قواه ولم يعد قادراً على السير، وكل ذلك لأجل معلمي أبين وحقوقهم، إلى جانب إخوانه في منسقية معلمي أبين. وصدق فيه قول المناضل أحمد الثلايا: "لعنت الله على شعب أردت له الحياة فأراد لي الموت".
فأي مصيبة أعظم من أن يُقصى أمثال هؤلاء القامات، بينما يتصدر المشهد أصحاب الأحزاب والمكونات الذين لهم ماضٍ كارثي مع أهل أبين؟ هم اليوم أهل القرار، يبعدون من يشاؤون ويقربون من يشاؤون، في عمل ممنهج للاستحواذ على المحافظة، ومحاولة مكشوفة لفصل محافظها عن أهله وناسه، حتى بات من يمثل طيفاً ضيقاً هو صاحب البيت والقرار دون بقية شرفاء أبين.
*رسالتنا الأخيرة:*
أبعدوا التعليم عن أحزابكم، فقد جربكم الشعب لسنوات يوم كنتم تنظرون لأنفسكم كمنتصرين والشعب كمهزوم، ففعلتم بالتعليم الأفاعيل. واليوم، لن يسمح الشعب الأبيني الحر أن يعود عقرب الزمن إلى الوراء مرة أخرى. فالتعليم رسالة وطن، لا مزرعة حزب.