حتى الصمت له ثمن، والخضوع له ضريبة، والمداهنة لها فاتورة، والجبن ليس نجاةً كما يتوهم أصحابه؛ بل هو تأجيلٌ لدفع الثمن إلى حين....وربما دفعه مضاعفًا.
هناك من يظن أن السلامة في أن ينحني كلما مرَّ الباطل، وأن الحكمة أن يصمت حين ينبغي الكلام، وأن الواقعية تقتضي أن يساير الأقوى، ولو كان ذلك على حساب الحق والكرامة.
تلك هي ضريبة الذل.
لا تُدفع مرةً واحدة.....
وإنما تُستقطع من الإنسان على دفعات :
تُتسقطع من كرامته، ومن حريته، ومن قدرته على قول «لا»، ومن احترامه لذاته....
حتى يستيقظ ذات يوم فيكتشف أنه لم يعد يملك حتى حق الاعتراض على اليد التي صفعته؛ لأنه كان هو من درّبها، بصمته وانحنائه، على أن تمتد إليه.
وفي اليمن:
خلال أكثر من اثني عشر عامًا.... رأينا نموذجًا حيًّا لهذه المعادلة.
فمنذ أن سقطت صنعاء في قبضة الحوثيين في سبتمبر 2014، دخل اليمن مرحلة سياسية وعسكرية واجتماعية مختلفة، وصراعات، وحروب أكلت الأخضر واليابس ..
وفي خضم ذلك...
اختار بعض الناس المسايرة، وظنوا أن الانحناء أمام القوة يمكن أن يكون طريقًا إلى النجاة؛ فداهنوا، وصمتوا، وبرروا، وراهنوا على أن التنازل في البداية قد يحميهم من الخسارة في النهاية.
لكنهم اكتشفوا بعد سنوات، أن من اعتاد أن يراك منحنيًا لا يمنحك حق الوقوف.
فما بدأ بتنازل صغير ....انتهى عند بعضهم إلى سلسلة من التنازلات عليه أن يدفعها !!!!
يدفعها أولًا من موقفه، ثم من كرامته، ثم من حريته، ثم يجد نفسه مطالبًا بأن يبرر ما كان بالأمس يرفضه، وأن يدافع عن واقعٍ كان يعرف في قرارة نفسه أنه لا يقبله.
وهنا تتحول المسايرة من وسيلة للنجاة إلى قيد دائم.
والمفارقة أن من انحنى هربًا من دفع ثمن الموقف..... قد يجد نفسه بعد سنوات وقد دفع أضعاف ذلك الثمن....
لا دفعة واحدة، وإنما بالتقسيط، وعلى مدى أكثر من اثني عشر عامًا.
حتى اصبح السؤال:
ماذا بقي لهم بعد كل هذا الانحناء؟؟؟؟؟
أما صاحب الموقف الصلب :
فإنه يعرف منذ البداية أن للحق كلفة، وأن مقاومة الباطل ليست نزهة، وأن قول الحقيقة في وجه القوة قد يفتح أبوابًا من المتاعب..
لكنه يختار أن يدفع ضريبة العزة مرةً واحدة، بدل أن يقضي عمره يسدد أقساط الذل.
فقد يخسر وظيفة، أو منصبًا، أو مصلحة، أو صداقة، وقد يقف وحيدًا في لحظة يتكاثر فيها المتراجعون؛ لكنه يحتفظ بالشيء الذي لا تعوّضه كل مكاسب الدنيا:
أن يظل قادرًا على النظر إلى وجهه في المرآة دون أن يخجل من نفسه
والفارق بين الرجلين ليس في مقدار ما دفعاه... وإنما في نوع العملة التي دفعا بها.
ذلك دفع من كرامته كل يوم شيئًا، حتى صار الذل عنده عادة، والخوف طبيعة، والصمت فضيلة، والمداهنة نوعًا من الذكاء.
وهذا دفع من راحته يومًا، وربما من ماله أو مكانته، وربما دفع ثمنًا أثقل؛ لكنه خرج من الموقف وهو ما يزال يملك نفسه.
إن التاريخ لا يصنعه الذين ظلوا طوال أعمارهم يسألون:
«ماذا سأخسر؟»
وإنما تصنعه اللحظات التي يسأل فيها الإنسان نفسه:
«ماذا سيبقى مني إذا سكت؟»
فليس كل موت سواء.
هناك من يموت مرةً واحدة، حين يرفض أن يبيع موقفه؛ فيدفع ثمن كلمته، ثم يمضي.
وهناك من يموت كل يوم...
يموت شيء من ضميره مع كل تنازل، وشيء من كرامته مع كل مداهنة، وشيء من إنسانيته مع كل صمت عن حق يعرفه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
كم ستدفع إذا وقفت؟
بل:
كم ستدفع إذا لم تقف؟
فاختر إذن أي الضريبتين تريد أن تدفع:
ضريبة موقفٍ قد يُؤلمك مرة، أم ضريبة انحناءٍ قد يستهلك عمرك كله؟
فالكرامة ليست طريقًا بلا أشواك، والعزة ليست مقعدًا وثيرًا؛ ولكن الإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي نجا فيها من المواجهة، بل بعدد المرات التي استطاع فيها أن يقول للباطل:
......لا
وفي النهاية...
ليس أخطر على الأمم من أناسٍ تعلّموا كيف ينجون بأنفسهم، ولم يتعلموا كيف ينجون بكرامتهم.
فمن دفع ضريبة العزة مرة، عاش مرفوع الرأس؛ ومن اختار ضريبة الذل، ظل يدفع... حتى يدفع نفسه كاملةً ثمنًا لصمته.
ولذلك كانت الحرية غالية لا يقوى على دفع
ثمنها ( الجبناء )