أيها الناس، من هو الأحق بالتكريم والتبجيل؟ هل هو المعلم المتقاعد الذي غادر الميدان التربوي، وقد عاش أجمل أيام حياته في زمن كان للتعليم فيه قداسة، وللمعلم فيه مكانة؟ زمن كان يُنظر فيه إلى المعلم بوقار واحترام وتبجيل، في المدرسة وخارجها، تُفتح له المجالس، وتُصغى له الكلمة.
أم هو المعلم الصامد الذي لا يزال في الميدان اليوم، في سنوات عجاف هي أشد من سني مصر العجاف في زمن نبي الله يوسف عليه السلام؟ فإن كانت تلك سبعاً عجافاً، فنحن ما زلنا في عجاف أشد وأقسى، أضعافاً مضاعفة، ولا تزال باقية، والمعلم يتعجن في لظاها، مقهوراً من خذلان السلطات، منهكاً من الجوع والتهميش.
أليس أولى بالتكريم من بقي وفياً للتعليم في زمن تركه الأغلبية وهجروه إلى معسكرات الريالات السعودية؟ أليس أولى بالتكريم من لا يزال التعليم نبضاً في عقله ونوراً في قلبه، يكافح من أجله في كل مكان بما أوتي من قوة وبكل الوسائل المتاحة؟
إن التكريم الحقيقي لا يحتاج إلى محسوبية، ولا إلى شللية، ولا إلى مناطقية مقيتة، بل يحتاج إلى مصداقية ووفاء. وفاء لمن بقي في الميدان رغم كل الظروف، لمن لم يخن التعليم ولم يتركه رغم كل المغريات ورغم مرارة الواقع.
قد يقال: تعليم اليوم ليس كتعليم الأمس، وهذه حقيقة لا تُنكر. ولكن ليس لأن معلم الأمس كان وفياً ومعلم اليوم لم يكن كذلك، بل لأن الأمس كانت خلفه دولة. دولة جعلت هيبة المعلم من هيبتها، وصانت حقوقه، ودعمت كرامته، حتى صار المعلم ملكاً في عطائه، فأعطى بكل جوانحه ومارس عمله بكل إخلاص وتفانٍ، فقابل العطاء بالعطاء والاهتمام بالاهتمام.
أما اليوم، فلا دولة ولا حقوق ولا احترام ولا تقدير. سُلبت حقوقه، وجُعل في جوع وفقر وعوز، ومع ذلك بقيت ثلة مؤمنة في الميدان لم تغادره، تمارس عملها بكل إخلاص وتفانٍ، لأنها ترى التعليم رسالة سامية وأمانة عظيمة، رغم تخاذل كل من حولهم وبالذات أهل السلطة.
فبالله عليكم، من يستحق التكريم؟
من قابل العطاء بالعطاء؟ أم من قابل الإهمال والجحود بالعطاء والوفاء؟
من عمل في زمن الرخاء؟ أم من ثبت وصبر وعمل في زمن العجاف والقحط والخذلان؟
إن تكريم معلم الميدان اليوم هو تكريم للصمود نفسه، وتكريم للرسالة في زمنٍ كاد أن يوأد فيه التعليم.