تعز المدينةً التي حاصرتها المليشيات، وهي المدينةً التي حاصرت مشروع المليشيات من الداخل، وأفشلت فكرتهم قبل أن تفشل أسلحتهم، وأثبتت أن المدن لا تُقاس بمساحتها ولا بعدد مقاتليها، وإنما بما تحمله من معنى في وجدان أهلها.
حين أُطبقت على تعز حلقات الخناق، ودخلت المليشيات بقوة السلاح، كان المشهد يبدو في ظاهره مختلاً تماماً طرفٌ يمتلك سلاح دولة، ومدرعات، وأسلحة ثقيلة، وإمدادات ودعماً خارجياً ( مليشيات الحوثي) وطرفٌ آخر لا يملك في بدايات المعركة إلا أبناء المدينة، وبنادق الكلاشنيكوف، وبعض الإرادة التي كانت أكبر من كل ما في الطرف الآخر من عتاد.
كان أبناء تعز يقاتلون بملابسهم المدنية، بالبنطلون المدرسي والجامعي والذي تم رفعه للركب وداسوا على الألغام كانوا أصحاب القلم والعلم، قاتلوا وهم الطالب والمعلم والمهندس والطبيب والعامل، رجال لم يتدربوا على صناعة الحروب بقدر ما تدربوا على صناعة العلوم والحياة السلمية الكريمة ، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام حربٍ فُرضت عليهم، فكان عليهم أن يدافعوا عن مدينتهم وعن حقهم في أن تبقى اليمن جمهورية لا ساحةً لمشروع السلالة والسلاح.
وفي بداية الاجتياح المسلح، كانت هناك دبابة واحدة تقاتل إلى جانب أبناء تعز، فأطلقوا عليها اسم (المبروكة)، وكأن المدينة التي لا تملك الكثير كانت تبحث حتى في دبابة واحدة عن بارقة أمل ،وكان هناك أيضاً لواء الصعاليك الاسم الذي لم يأتِ من فراغ، وإنما ارتبط بتلك العبارة المتلفزة التي أطلقها الرئيس السابق علي عبدالله صالح، حين وصف من يقاتلون في تعز بأنهم (مجموعة من الصعاليك حق تعز) فتحولت الكلمة التي أراد بها أصحابها الانتقاص من المقاتلين إلى اسمٍ يختصر واحدة من أكثر صفحات تعز صموداً ،هكذا كان المشهد من أرادوا إذلال تعز أعطوها اسماً، ومن أرادوا كسرها منحوا أبناءها سبباً آخر للصمود ،لواء الصعاليك لم يكن مجرد اسم لوحدة عسكرية، بل صار حكاية مدينة تقول لمن حولها نحن هنا، ولن نعطيكم تعز.
قاتل أبناء تعز بما توفر لديهم، وصمدوا أمام قوة تفوقهم في السلاح والعتاد والإمكانات، وتحملت المدينة ما لا تتحمله مدينة من القصف والحصار والجوع والخوف وسقوط الشهداء، ومع ذلك بقيت تعز واقفة ،كانت المعركة في تعز أكبر من معركة شارع أو حي أو موقع عسكري ،كانت معركة على معنى اليمن ففي تعز لم يكن المدافعون يقاتلون فقط من أجل بيوتهم وأحيائهم، وإنما كانوا يدافعون عن فكرة الدولة، وعن الجمهورية، وعن المدرسة والجامعة والصحيفة، وعن حق الإنسان اليمني أن يعيش مواطناً لا تابعاً ، وأن يكون القانون فوق السلاح، وأن تكون الدولة فوق الجماعة ولهذا كانت تعز مختلفة.
لقد حوصرت تعز، لكنها لم تُحاصر في روحها ،قُطعت عنها الطرق، لكن طريقها إلى الجمهورية لم يُقطع ،أُغلقت المنافذ، لكن صوتها ظل يصل إلى كل اليمن ،قُصفت أحياؤها، لكن إرادتها لم تُقصف سقط أبناؤها، لكن المدينة لم تسقط وهنا تكمن عظمة تعز فكم من مدينة يمكن أن تصمد أياماً أو أسابيع أمام قوة تفوقها بأضعاف، لكن تعز حولت الصمود إلى سنوات من النظال والكفاح،وحولت الحصار إلى مدرسة، وحولت الألم إلى ذاكرة وطنية، وحولت القليل من الإمكانات إلى ملحمة يعرفها اليمنيون جميعاً،تعز اليوم ليست مجرد محافظة اليوم معنى آخر هي المدينة التي تقول لليمن ،ما زالت الجمهورية هنا هي المدينة التي كلما ظن البعض أن روح اليمن الجمهوري قد أنهكتها الحرب، خرجت من بين الركام لتقول لا، ما زال في هذا البلد قلب ينبض تعز هي نبض الجمهورية وفيها اختلط القلم بالبندقية، والكتاب بالمترس، والجامعة بالخندق، والطالب بالمقاتل، والطبيب بالمسعف، والأم التي تنتظر ابنها بالمدينة التي تنتظر فجرها أن يطلع، ولهذا لا يمكن قراءة قصة تعز باعتبارها قصة عسكرية فقط إنها قصة مجتمع كامل قرر ألا يتحول إلى رقم في مشروع جماعة مسلحة ،لم تقاتل لأنها تحب الحرب، بل لأنها رفضت أن تصبح الحرب قدرها لم تحمل السلاح لأنها أرادت السلاح، وإنما لأن السلاح جاء إلى أبوابها،قاتلت لأنها أرادت أن يبقى للإنسان اليمني حقه في أن يختار مستقبله، وأن يعيش في دولة لا تحكمها العصبية، ولا تُوزع فيها الحقوق بحسب النسب أو الجماعة أو الولاء،ومن هنا أصبحت تعز أكبر من حدودها الجغرافية فهي في وجدان اليمنيين ليست مدينةً فقط، بل صورة اليمن الذي نريد أن يبقى ،اليمن الجمهوري، المدني، المتعدد، الذي يتسع للجميع، والذي لا يكون فيه المواطن درجة ثانية أمام جماعة تحمل السلاح، ولا يصبح فيه الانتماء السياسي أو المذهبي جواز مرور إلى الدولة ،تعز هي التي دفعت ثمناً باهظاً لأنها قالت لا عندما كان قول نعم أسهل.كنا في المحافظات الأخرى التي سقطت تباعاً.
وهي التي دفعت من دم أبنائها ثمناً لم تدفعه مدينة أخرى بهذا الحجم ولهذا فإن الحديث عنها اليوم ليس حديثاً عن الماضي إنه حديث عن الحاضر والمستقبل ،فإذا كانت صنعاء عاصمة اليمن السياسية والتاريخية، فإن تعز أصبحت في وجدان الجمهورية عاصمتها النابضة المدينة التي بقيت واقفة عندما اهتزت بقية المحافظات والتي حملت راية الدولة حين حاول السلاح أن يصادرها هي اليوم لا تحتاج إلى من يمنحها شهادة وطنية،دماء أبنائها هي الشهادة ،وحصارها هو الشهادة، وصمودها هو الشهادة.
وللمبروكة شأن آخر وهي الدبابةً الوحيدة الموجودة في مدينة آنذاك وقت محاصرتها لقد أصبحت في ذاكرة اليمنيين رمزاً لزمنٍ كان فيه القليل من الحديد الخردة أقوى من كثير من السلاح الفتاك ،لأن وراءها رجالاً آمنوا أن الوطن يستحق أن يُدافع عنه.
واما لواء الصعاليك الذي أراد له الآخرون أن يكون وصفاً مهيناً، صار اسماً يروى بفخر، لأن أبناء تعز حولوا الكلمة إلى راية، والانتقاص إلى بطولة، والحصار إلى ملحمة ، مدينةٌ إذا ضاق بها المكان اتسعت في التاريخ ،وإذا حاصرها العدو اتسعت في وجدان اليمن ،وإذا حاولوا إسكاتها ارتفع صوتها وإذا سقط منها شهيد، أنبتت الأرض ألف حكاية عن الجمهورية ، لم تكن يوماً هامش اليمن، كانت وما زالت أحد أهم شرايينه ،ومن أراد أن يعرف معنى الصمود اليمني، فلينظر إلى تعز ومن أراد أن يعرف كيف يمكن لشعبٍ أعزل إلا من إيمانه أن يقف أمام آلة حرب، فلينظر إلى إليها
ومن أراد أن يعرف أين ظل قلب اليمن الجمهوري ينبض وسط سنوات الحرب، فليضع يده على صدر تعز ،هناك ،ما زال النبض وهناك ما زالت الجمهورية وهناك رغم كل الجراح، ما زال اليمن حيا.