دقّت ساعة الصفر، وانطلق نور الجمهورية يشقّ طريقه في ليلٍ طويل ليبدّد ظلمات الجهل والعنصرية والسلالية والكهنوت، ويعيد لليمن وجهه الذي حاولت جماعة مسلّحة أن تطمسه تحت ركام الشعارات، وضجيج البنادق، وأوهام الحق الإلهي في الحكم.
لم تكن معركة اليمن مع الحوثيين يومًا مجرد خلاف سياسي عابر، ولا صراعًا على مقعد في مؤسسة من مؤسسات الدولة....
إنها في جوهرها مواجهة بين منطق الدولة ومنطق الجماعة، بين المواطنة والسلالة، بين الدستور والوصاية، وبين الجمهورية التي تجعل الشعب مصدرًا للشرعية، ومشروعٍ يختزل الوطن في جماعة، والسلطة في سلالة، والقرار في يد من يحمل السلاح.
لقد حاول المشروع الحوثي أن يعيد عقارب التاريخ إلى الوراء ، وأن يستبدل مفهوم المواطن بمفهوم التابع، وأن يجعل الانتماء السياسي مرهونًا بالولاء، وأن يقدّم النسب على الكفاءة، والولاء للجماعة على الولاء للوطن، وأن يحوّل المدارس والمنابر والمؤسسات إلى أدوات لإعادة تشكيل وعي الأجيال وفق رؤية أحادية لا ترى اليمن إلا من نافذة الجماعة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية،،،
ذلك أنٌ السلاح يمكن نزعه، والمدينة يمكن تحريرها، والموقع العسكري يمكن استعادته...
لكن الفكرة حين تتسلل إلى عقل الطفل، وتُزرع في الكتاب المدرسي، وتُلقّن في المنبر، وتُقدَّم للأجيال باعتبارها حقيقة مقدسة.....
فإن معركة استئصالها تصبح أطول وأعمق من معركة الميدان.
إن أخطر ما في المشروع الكهنوتي ليس ما يحمله من بنادق، وإنما ما يحاول أن يصنعه من عقول؛ لأنه لا يريد فقط أن يحكم اليمن، بل يريد أن يعيد تعريف اليمنيين:
من هو السيد ومن هو التابع، من له حق القيادة ومن عليه واجب الطاعة، ومن يملك الحقيقة ومن يُطلب منه الصمت
لكن اليمن أكبر من هذه المعادلة.
اليمن الذي عرف الجمهورية لن يقبل أن يعود إلى زمن الامتيازات الطبقية، واليمن الذي دفع دماءً غزيرة من أجل الحرية لن يسلّم مستقبله لمن يعتقد أن الحكم ميراث عائلي أو امتياز سلالي.
فالجمهورية ليست مجرد اسم في رأس وثيقة رسمية ....
إنها فكرة سياسية وأخلاقية تقوم على أن اليمني، أيًا كان أصله ومنطقته ومذهبه، مواطن كامل الحقوق، لا تابع لأحد، ولا يحتاج إلى شهادة نسب كي يكون شريكًا في وطنه.
ومن هنا :
فإن المعركة الحقيقية ليست بين اليمنيين وأبنائهم، ولا بين مذهب ومذهب، وإنما بين مشروع دولة ومشروع جماعة.
ومن الخطأ التاريخي أن يسمح اليمنيون بتحويل هذه المواجهة إلى حرب كراهية اجتماعية.....
فالخصومة مع المشروع الحوثي لا تعني الخصومة مع أبناء اليمن الذين غررت بهم الجماعة أو أجبرتهم ظروف الحرب على القتال في صفوفها.
القضية أعمق من ذلك: إنها مواجهة مع منظومة سياسية وعسكرية وفكرية تريد احتكار الدولة وإخضاع المجتمع لها.
ولذلك فإن سقوط المشروع المسلح لا ينبغي أن يكون نهاية المعركة، بل بداية مرحلة أخرى: معركة استعادة الدولة، وإصلاح التعليم، وتحرير المؤسسات من الولاءات الضيقة، وإعادة بناء الوعي الوطني، وترسيخ المواطنة المتساوية، وتجفيف منابع الكراهية والتحريض، وإعادة الاعتبار للقانون باعتباره المرجعية الوحيدة للجميع.
لقد آن لليمن أن يخرج من زمن الذين يعتقدون أن البندقية تمنحهم حق الوصاية على الملايين....
آن لليمن أن يقول بوضوح:
لا سيد في الجمهورية إلا القانون، ولا تابع فيها إلا من اختار أن يكون تابعًا للوهم.
وساعة الصفر الحقيقية ليست ساعة إطلاق النار فحسب...
إنها الساعة التي يستعيد فيها اليمني ثقته بأن وطنه ملك له، وأن مستقبله لا يُكتب في كهوف الجماعات، ولا يُملى من خارج الحدود، ولا يُورَّث في شجرة نسب، ولا يُفرض بقوة السلاح.
إن فجر الجمهورية حين يطلع، لن يميّز بين يمني ويمني، ولن يسأل هذا عن قبيلته، ولا ذاك عن مذهبه، ولا ثالثًا عن أصله؛ سيقول للجميع كلمة واحدة: هذا وطنكم...
فاحموه من كل من أراد أن يحوله إلى غنيمة لجماعة، أو مزرعة لسلالة، أو ورقة في مشروع إقليمي.
وإذا كان الليل قد طال، فإن ذلك لا يعني أن الفجر قد مات.
فالفجر لا يستأذن الظلام حين يأتي...
يكفي أن يطلع حتى يعرف الناس أن الليل، مهما تجبّر، لم يكن خالدًا.
وانطلق فجر اليمن... ليبدد ظلمات الكهنوت والسلالية والعنصرية والجهل، وليعيد للجمهورية معناها، وللدولة هيبتها، ولليمني كرامته، وللوطن حقه في أن يكون وطنًا لجميع أبنائه.