آخر تحديث :الجمعة-23 أكتوبر 2026-11:06م

دواء الروح حين تضيق الدنيا .. رسالة إلى القلوب المُتعبة ...

الإثنين - 05 أكتوبر 2026 - الساعة 10:25 ص
أحمد سعيد العمودي


من عدن .. من كريتر .. من حافة حسين .. من جوار مسجد المهدلي العامر .. أكتب هذه الرسالة .. أكتبها لكل قلب أتعبه الطريق .. ولكل نفس أثقلتها الهموم .. ولكل صدر ضاق بما فيه.


إن في النفس البشرية حاجات عميقة لا تراها العين ولا تسمعها الأذن .. حاجات لا تذهب إلى طبيب ولا إلى صديق .. حاجات لا يشفيها إلا أن تخلو بربك وتتحدث معه .. أن تقول يا رب أنا متعب .. يا رب أنا ضعيف .. يا رب ليس لي سواك.


هذه هي الحقيقة التي ينساها كثير من الناس .. أن دواء النفس هو الحديث مع الله .. أن تفتح سجادتك في آخر الليل والناس نيام .. وتتكلم مع الله كما يتكلم الابن مع أبيه .. بلا تكلف ولا مقدمات .. تشكو إليه ضعفك وقلة حيلتك .. وهو يسمعك .. وهو يراك .. وهو أرحم بك من أمك التي ولدتك.


وفي القلب وحشة لا يعلمها إلا الله .. وحشة حتى لو كنت بين أهلك وأولادك وأحبابك .. تشعر أنك وحيد .. أن هناك فراغا لا يملؤه أحد .. هذه الوحشة لا يملؤها مال قارون ولا جاه فرعون ولا قصور الدنيا كلها .. أمان هذه الوحشة شيء واحد فقط .. اليقين بالله .. أن توقن أن الله معك في كل لحظة .. معك حين تبكي وحين تفرح وحين تتألم وحين تنام .. أن توقن أن تدبيره لك خير من تدبيرك لنفسك.


وما نحتاجه من الله هين جدا .. هين لا ينقص شيئا من ملكه .. لو أن أهل عدن كلهم وأهل اليمن كلهم وأهل الأرض كلهم وقفوا في صعيد واحد وسأل كل واحد مسألته فأعطاها الله له ما نقص ذلك من ملك الله شيئا .. فنحن نسأل الله ملك الملوك .. الذي إذا شاء أعطى بكرمه الواسع .. وإذا شاء منع بحكمته البالغة .. وفي كلا الحالتين هو خير لنا .. عطاؤه كرم يفرحنا ومنعه حكمة يحمينا .. وهو على كل شيء قدير.


ورغم كل الضيق الذي نراه في حياتنا .. تبقى الأشياء الجميلة تتنفس بداخلنا .. لا تموت .. حتى لو تزاحمت علينا أجواء الضيق والفقر والمرض والهم .. يبقى في داخلنا شيء جميل يتنفس .. يبقى يقيننا بربنا أقوى من كل شيء .. أقوى من الخوف وأقوى من اليأس وأقوى من كلام الناس.


وإذا جاءتك شدة في حياتك فتذكر هذه الحقائق الخمس .. تذكر أنها زائلة ومؤقتة وليست دائمة .. فما من شدة إلا ولها نهاية .. وتذكر أن أيام السرور كثيرة وأيام الهناء وفيرة .. فلا تجعل يوما سيئا ينسيك عمرا من النعم .. وتذكر أنك في الدنيا والدنيا لا تصفو طوال الوقت .. يوم حلو ويوم مر .. وتذكر أنك مؤمن والمؤمن مبتلى .. فالابتلاء دليل محبة الله لك .. وتذكر أنك مأجور على كل ألم .. حتى الشوكة التي تشاكها لك بها أجر .. فما بالك بما أوجع قلبك وأذبل عينك وأبكى روحك .. كل ذلك محسوب عند الله.


ثم فتش عن مجالس تريح قلبك .. فخير المجالس ما كانت مع أرواح ندية .. أرواح طيبة كريمة .. يكون الكلام بينها مناوبة لا مناهبة .. كل واحد يسمع الآخر .. لا أحد يقاطع أحدا .. ولا أحد يريد أن يظهر أنه الأذكى .. بل يريدون البحث والمساءلة لا الغلبة والمساجلة .. ورفعت بينهم كلفة التحفظ والاحتراز .. يتكلمون على سجيتهم .. بصدق ومحبة .. فإذا كان هذا المجلس فوق ذلك في شأن العلم وبين أهل اهتمام مشترك بالقرآن والعلم والدعوة فتلك والله من لذائذ الحياة التي لا تقدر بثمن .. وهي المجالس التي عشناها في مسجد المهدلي في حافة حسين .. مجالس القرآن التي صنعتنا وصنعت أخلاقنا.


ثم تعلم كيف تنظر للحياة .. انظر لها من خلال نوافذ ملونة .. بألوان الأمل والتفاؤل .. لا تنظر لها من نافذة سوداء مظلمة .. ستجد أن هذا الكون واسع ومبهر وجميل .. ستجد أن الحياة رائعة بجميع ألوانها .. فحتى الألم له لون جميل لأنه يعلمك الصبر .. وحتى الفقد له لون جميل لأنه يعلمك قيمة من تحب .. جميع الألوان ساحرة بلا استثناء .. فلا تحبس نفسك في لون الحزن وحده.

٧

وأخيرا ازرع جميلا ولو في غير موضعه .. فلا يضيع جميل أينما زرعا .. إن الجميل وإن طال الزمان به فليس يحصده إلا الذي زرعا.


هذه حكمة الأجداد في عدن .. كان أهلنا يزرعون الخير في كل مكان .. يطعمون الجار حتى لو كان لا يستحق .. يساعدون المحتاج حتى لو نسى المعروف .. يبتسمون في وجه من عبس في وجوههم .. وكانوا يقولون افعل الخير وارمه في البحر .. فإن نسيه الناس فلن ينساه الله.


ازرع جميلا في ولدك .. في جارك .. في مسجدك .. في حافتك .. ازرع كلمة طيبة .. ازرع صدقة خفية .. ازرع دعاء بظهر الغيب .. فالجميل لا يضيع .. إن طال الزمان به فليس يحصده إلا الذي زرعا .. أنت الذي ستجد ثماره في الدنيا محبة وفي الآخرة جنة.


هذه هي وثيقة الطمأنينة .. دواء النفس هو الحديث مع الله .. وأمان القلب هو اليقين بالله .. وقوة الروح هي الصبر على الشدة لأنها مؤقتة .. ولذة الحياة هي مجالسة الأرواح الطيبة .. وجمال الدنيا هو النظر لها بتفاؤل .. وخلود الأثر هو زرع الجميل في كل مكان.


من عاش بهذه الستة عاش سعيدا مطمئنا .. ومن مات عليها مات سعيدا مطمئناً.


اللهم اجعلنا من الذين إذا تحدثوا تحدثوا معك .. وإذا استوحشوا أنسوا بك .. وإذا احتاجوا سألوك .. وإذا ابتلوا صبروا لك .. وإذا جالسوا جالسوا أولياءك .. وإذا نظروا نظروا ببصيرة الأمل .. وإذا زرعوا زرعوا جميلا لا ينقطع.


بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي

كريتر عدن

دواء الروح حين تضيق الدنيا ..

رسالة إلى القلوب المُتعبة ...