ما إن سمعت عن إغلاق الطريق الرابط بين تعز وعدن بعد سيطرة مليشيا الحوثي عليه حتى عادت بي الذاكرة إلى تعز عام 2015.
إلى الروضة تحديدًا.
لا أدري لماذا حضرت صورة ذلك الحي في ذهني بهذه السرعة. ربما لأن أبناء تعز عاشوا الحصار طويلًا، حتى أصبح مشهدًا مألوفًا في تفاصيل حياتهم اليومية.
أتذكر الروضة في تلك الأيام؛ القصف، وأصوات الرصاص، والخوف الذي كان يمر بين البيوت، والناس الذين كانوا يحاولون تدبير حياتهم بما تيسر.
كانت الروضة واحدة من الأماكن التي شهدت مواجهة قاسية مع الحصار والقصف الحوثي. لم يكن الناس هناك يتابعون الحرب من خلف الشاشات، بل كانت أمام أبوابهم، وفي شوارعهم، وبين بيوتهم.
لكن المواجهة لم تبقَ في الروضة.
امتدت إلى مناطق وجبهات أخرى، ومعها اتسعت معركة كسر الحصار، حتى وصلت إلى هيجة العبد، وفتحت طريق تعز–عدن.
بدأت المقاومة من حي الروضة، الذي عاش الحصار والحرب، ثم اشتعلت جهات أخرى، وامتدت المواجهة إلى أحياء المدينة ومحيطها. ولهذا، عندما يعود حديث اليوم عن إغلاق الطريق، لا أستطيع أن أتعامل معه كخبر عابر، ولن أعتبره خبرًا مقلقًا.
أتذكر كيف استطاعت المقاومة إسقاط المواقع الحوثية والتباب، وأتذكر الصمود الأسطوري الذي قدمه أبناء المحافظة في 2015 بالسلاح الشخصي، ولهذا لا أقلق على تعز.
أبناء تعز يعرفون الحصار جيدًا. عاشوه سنوات، وتعلموا كيف يدبرون أيامهم في ظروف صعبة.
ولهذا، وأنا أنظر إلى المشهد اليوم، لا أعتقد أن الحصار سيكون سبب هزيمة تعز.
هذه مدينة تعرف الحصار.
وتعرف الصمود.
وتعرف كيف تحافظ على تماسكها عندما تضيق عليها الظروف.
وأحيانًا تكفي عبارة قصيرة من شاب أو طفل لتقول ما تعجز عنه صفحات كاملة.
قرأت مؤخرًا كلمات أحد أبناء تعز الصغار:
«يمين بالله لن نخضع.. لن نترك تعز تركع. لو ردوا التراب بارود، وصار الجو لهم مدفع.. على العز اتربينا، وعمر الحر ما يخضع.»
توقفت عند هذه الكلمات. فيها شيء من تعز التي أعرفها؛ كلام بسيط، لكنه يحمل ثقة مدينة عرفت الحصار والصمود، ولم تفقد قدرتها على الوقوف.
قد يكون الحصار قاسيًا، وقد يضاعف معاناة الناس، لكن الحصار لم يكسر تعز في 2015، ولن يكون اليوم أكثر قوة من مدينة تعلّمت كيف تصمد حين تضيق بها الطرق.
تعز قد تتعب، وقد تدفع ثمنًا باهظًا، لكنها لا تستسلم.
ولهذا أقولها بوضوح: تعز لا تُهزم بالحصار، ولا تُركع بإغلاق الطريق. هذه مدينة عرفت الطريق إلى الصمود، وستعرف الطريق إلى الانتصار