آخر تحديث :الجمعة-23 أكتوبر 2026-11:06م

حين يضيق الأفق.. يبدأ النصر

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 06:01 م
صلاح الصلاحي


ليس كل ضيقٍ نهاية، وليس كل تراجعٍ هزيمة، وليس كل مشهدٍ يوحي بأن الأمر قد حُسم يعني أن المعركة انتهت.


ففي تاريخ الأمم، كثيراً ما جاءت لحظةٌ ظن فيها الناس أن الطريق قد أُغلق، وأن أهل الحق قد وصلوا إلى آخر الطريق، وأن الكثرة الغالبة قد حسمت الأمر لصالحها… ثم جاء الفرج من حيث لم يحتسب أحد.


النصر لا يأتي دائماً عندما تكون الصفوف مكتملة، والظروف مواتية، والناس متفائلة.

بل قد يأتي بعد أن تضيق الحال، وتتساقط الصفوف، ويغادر المترددون، ويظن أكثر الناس أن لا أمل.

وهنا تظهر قيمة القلة الصادقة.

عندما قالوا: «إِنَّا لَمُدْرَكُونَ» تأملوا مشهد موسى عليه السلام وقومه وهم يفرون من فرعون، حتى بلغوا البحر، والعدو خلفهم.


في تلك اللحظة لم يرَ أصحاب موسى إلا الحقيقة الظاهرة أمام أعينهم:

البحر أمامهم… وفرعون وجنوده خلفهم.

فقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ كانت حسابات البشر تقول: انتهى الأمر.


لكن موسى عليه السلام لم ينظر إلى حجم الخطر فقط، بل نظر إلى وعد الله وثقته بربه، فقال:

﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وهنا حدث ما لم يكن في حساب أحد:

انشق البحر.


فأحياناً يكون الفرق بين من يرى النهاية ومن يرى بداية الفرج هو الثبات في اللحظة التي يفقد فيها الآخرون الأمل.


قصة طالوت وجالوت… حين تصنع الفتنة غربالاً للصفوف، وقصة طالوت وجالوت من أعظم القصص التي تكشف طبيعة الطريق إلى النصر.

بدأت القصة بحشد كبير، وكان الظاهر أن الكثرة هي مصدر القوة.

لكن عندما جاءت الاختبارات، بدأ العدد يتناقص.


ثم جاءت فتنة النهر، فكان الاختبار واضحاً:

﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ فانصرف كثيرون، وبقيت قلة.


ثم لم تتوقف الاختبارات،

وعندما رأى بعض الباقين جالوت وجنوده قالوا:

﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ لكن القلة التي بقيت على يقينها قالت: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وهذه هي الرسالة الكبرى:

لم تكن الاختبارات تقلل الصف الحقيقي، بل كانت تكشفه.

فالصفوف الكبيرة في البداية ليست بالضرورة هي الصفوف التي تصل إلى النهاية.

قد تبدأ المسيرة بآلاف، ثم تكشف الأيام من كان معك لأن الطريق سهل، ومن كان معك لأنه يؤمن بالقضية.

والذين يبقون عندما يصبح الثمن غالياً، والطريق شاقاً، والنتائج غير واضحة… هؤلاء هم الذين يصنعون الفارق.


لا تخافوا من تناقص العدد إذا بقيت الروح

هناك فرق بين أن تخسر عدداً من الأشخاص، وبين أن تخسر إرادة الصمود.


الأعداد قد تتغير، الظروف قد تتبدل،

الحلفاء قد يتراجعون، المشهد السياسي قد ينقلب.

وقد يشعر الناس للحظة أن الطرف الآخر أصبح أقوى من أن يُهزم.


لكن التاريخ يعلمنا أن القضايا لا تُقاس دائماً بحجمها في لحظة معينة، وإنما بقدرة أصحابها على الصمود حتى تتغير الظروف.


وفي غزوة بدر، خرج المسلمون وهم قلة أمام قوة أكبر منهم، ومع ذلك لم يكن معيار المعركة هو الحساب العددي وحده.


وفي غزوة الأحزاب، بلغ الخوف بالناس مبلغاً عظيماً، حتى وصف القرآن شدة الموقف: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾

لكن ذلك المشهد الذي بدا للبعض كأنه اقتراب النهاية، انتهى بانقلاب الموازين: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾

فالشدائد لا تكشف قوة العدو فقط؛ بل تكشف أيضاً من بقي ثابتاً عندما اهتز كل شيء من حوله.

لا تجعلوا المشهد المؤقت حكماً على المستقبل

قد ترى اليوم قوةً هائلة أمامك، وقد ترى انقساماً في صفك، وقد ترى أناساً يتراجعون، وقد تسمع من يقول: "انتهى الأمر."

لكن من قال إن ما نراه اليوم هو الصورة الأخيرة؟

السياسة تتغير، والتحالفات تتغير، وموازين القوى تتغير، والشعوب التي تبدو صامتة اليوم قد تتحرك غداً.

والأحداث التي تبدو في ظاهرها هزيمة قد تكون مقدمة لإعادة ترتيب المشهد كله.

لذلك لا ينبغي للمؤمن أن يجعل مزاج اللحظة بديلاً عن يقينه بالمبدأ.

المطلوب ليس أن نكذب على أنفسنا ونقول إن الطريق سهل.

بل المطلوب أن نعرف أن صعوبة الطريق لا تعني استحالته.

وحين تسقط الأقنعة… تبقى القلة الصادقة

من طبيعة المحن أنها تفعل شيئاً مهماً: تفرز الناس.

في الرخاء تجد كثيرين،

وفي أوقات الانتصار تجد الجميع يتحدثون عن البطولة.

لكن عندما تضيق الحال، ويصبح الثبات مكلفاً، وتغيب المكاسب، وتكثر الشائعات، ويعلو صوت اليأس… عندها تعرف من كان صاحب مبدأ، ومن كان صاحب مصلحة.

ولهذا لا ينبغي أن نخاف من غربلة الصفوف إذا كانت النتيجة أن يبقى فيها الصادقون.

فالقلة الصادقة خير من كثرةٍ مترددة، والثبات خير من الحماس المؤقت، والوعي خير من الاندفاع، والصبر خير من الاستسلام لليأس.


«كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ» هذه ليست كلمة موسى عليه السلام وحده. إنها مدرسة في مواجهة اللحظة التي يبدو فيها كل شيء مغلقاً.

عندما يقول الواقع: لا مخرج، يقول الإيمان: كلا، عندما يقول اليأس: انتهى الأمر، يقول الثبات: لم ينتهِ شيء ما دمنا لم نتخلَّ عن الحق، وعندما يرى الناس البحر أمامهم والعدو خلفهم، يبقى هناك احتمال لا تراه الحسابات البشرية:

أن يفتح الله طريقاً من حيث لا نحتسب.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي قضية ليس أن يقل العدد، ولا أن تشتد الظروف، وإنما أن يستسلم أصحابها نفسياً قبل أن تنتهي المعركة.

أما ما دام في الصف رجال ونساء يؤمنون بقضيتهم، ويتمسكون بمبادئهم، ويعملون بعقل وصبر ومسؤولية، ويرفضون اليأس والاستسلام، فإن الباب لم يُغلق.

قد يضيق الطريق… لكن هذا لا يعني أنه انتهى.

وقد تقل الأعداد… لكن هذا لا يعني أن الحق أصبح باطلاً.


وقد يعلو صوت الخصم… لكن هذا لا يعني أن صوته هو آخر صوت في التاريخ.

فكم من فئة قليلة ظن الناس أنها انتهت، ثم كتبت بصدقها وصبرها فصلاً جديداً من التاريخ.

والعبرة ليست بمن كان أكثر عدداً في بداية الطريق…بل بمن بقي ثابتاً عندما وصل الطريق إلى أصعب مراحله.


﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

فاثبتوا، واصبروا، وأحسنوا العمل، ولا تجعلوا ضيق اليوم يحجب عنكم أفق الغد.