من أخطر الآفات التي تُصيب التحليل السياسي هي السطحية الرغبيّة ذلك الوهم الذي يجعل البعض يظن أن المشاريّع القائمة على العقائد السلالية والمهدوية يمكن احتواؤها داخل خطوط جغرافية أو معاهدات مرحلية.
الحوثي ليس حزبًا سياسيًا يبحث عن حصة في حكومة ولا حركة مناطقية تقنع بحدود شطرية بل هو امتداد لمشروع إيدولوجي عابر للحدود يستمد مشروعيته من موروث تاريخي وعقدي يرى في الخرائط الحالية مجرد عقبات مؤقتة يجب إزالتها.
إن المراهنة على أن الجماعة ستكتفي بالسيطرة على الشمال وتترك الجنوب أو أنها ستتوقف عند الحدود السياسية للدول المجاورة هي مراهنة على سراب. فالذي يحركه المفهوم العابر للحدود لن تلجمه براميل الشريجة ولن تقف طموحاته عند حدود 90 ومن يتوهم غير ذلك فهو يمارس انتحاراً سياسياً مكتمل الأركان.
المشكلة لا تكمن في حدود الطموح الجغرافي وحدها، بل في طبيعة المشروع نفسه؛ فحين تتحول العقيدة إلى مشروع سياسي وعسكري، تصبح الحدود بالنسبة إليه مجرد مراحل قابلة للتجاوز، وتصبح التسويات المؤقتة أدوات لإعادة ترتيب الصفوف لا نهايات للصراع، ولذلك فإن قراءة المشهد من زاوية المكاسب الآنية أو التفاهمات المرحلية قد تقود إلى استنتاجات خطيرة، لأنها تتجاهل جذور المشروع وأهدافه بعيدة المدى.
على أبناء الجنوب خاصة، والأشقاء في الخليج عامة درك حقيقة جليّة معركة اليمن اليوم ليست نزاعاً يمنياً-يمنياً على السلطة بل هي الجدار الأخير والحصن الأول لخارطة الخليج والجزيرة العربية بكاملها. سقوط اليمن أو مهادنة هذا المشروع يعني فتح أبواب الجزيرة العربية على مصراعيها لصراع استراتيجي لن تستثني شرارته أحداً.
الوعي بطبيعة الخطر هو نصف معركة التصدي له، والمعركة اليوم معركة مصير ووجود واحد.