آخر تحديث :الإثنين-05 أكتوبر 2026-01:05ص

معركة استعادة الدولة في اليمن: من فخ تعز إلى عقيدة عسكرية تُدرّس للأجيال

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 04:54 م
د.باسم المذحجي


في علوم الحرب، هناك معارك تخوضها الجيوش لكسب أرض، وهناك معارك تخوضها لكتابة عقيدة. ما يجري اليوم في اليمن الكبير هو من النوع الثاني.


لقد نجح مجلس القيادة الرئاسي بقيادة د.رشاد العليمي في تنفيذ واحدة من أذكى المناورات الاستراتيجية في تاريخ الصراع اليمني، من خلال استدراج ميليشيا الحوثي إلى فخ محكم في تعز. لم تكن تعز مجرد جبهة قتال صامدة، بل تم تحويلها عمدًا إلى نقطة جذب واستنزاف، أُجبر فيها العدو على حشد احتياطه والتوهم بتحقيق اختراق، بينما كانت غرفة العمليات الحقيقية تجهز للضربة الحاسمة: إعلان المعركة الشاملة من مختلف المحاور في توقيت متزامن.


هذا التكتيك ليس اجتهادًا ميدانيًا، بل هو تطبيق دقيق لنظرية "المعضلة الاستراتيجية" التي تدرس في أرقى الكليات الحربية.


أولاً: كيف يقرأ أخطر محللي العالم ما حدث؟


في العلوم الاستراتيجية، لا يوجد تصنيف رسمي يمنح شخصاً لقب "أخطر محلل عسكري"، لأن الخطورة تقاس بدقة الاستشراف وتأثير التحليل على قرار البنتاغون والناتو. وما حدث في اليمن يتطابق مع خلاصات أبرز هذه الأسماء:


1. مايكل كوفمان (Michael Kofman): مدير برنامج الدراسات الروسية في مركز التحليلات البحرية (C

NA)، والمرجع الأدق للبنتاغون في حرب أوكرانيا. يرى كوفمان أن الحروب الحديثة لا تكسب بالتفوق العددي، بل بقدرة القيادة على خلق معضلة للعدو. وهذا ما طبقه مجلس القيادة الرئاسي ببراعة، بوضع الحوثي أمام خيارين أحلاهما مر: البقاء مستنزفًا في فخ تعز، أو الانسحاب وانهيار خطوطه.


2. روب لي (Rob Lee): زميل أقدم في معهد أبحاث السياسة الخارجية (FPRI) وضابط سابق في مشاة البحرية الأمريكية، وخبير تحليل البيانات الميدانية (OSINT). تؤكد منهجية روب لي أن المؤشر الحاسم لانهيار الجبهات الكبرى هو استدراج الاحتياط إلى محور ثانوي ثم فتح محاور متعددة ومتزامنة، وهو السيناريو اليمني بالنص.


3. الجنرال بن هودغز (Ben Hodges): القائد السابق للجيش الأمريكي في أوروبا. يصف هذا النوع من العمليات بـ "المناورة العملياتية" التي تنقل الجيوش من حالة الدفاع المرن إلى حالة الهجوم الاستراتيجي لاستعادة الدولة.


ثانيًا: الرأي المتوقع من مراكز الثقل التي تصنع عقيدة الحرب.


هذه المعركة لن تبقى حبيسة الجغرافيا اليمنية، بل ستوثق كحالة دراسية في أرشيفات المراكز التي تصوغ سياسات الحرب في العالم:


مؤسسة راند (RAND Corporation): العقل المدبر لخطط البنتاغون منذ الحرب الباردة، ستصنف العملية ضمن ما تسميه "الخداع العملياتي المركب". في تقديرها المتوقع، ما جرى هو نموذج ناجح لتح

ويل نقطة ضعف جغرافية مزمنة إلى نقطة جذب استراتيجية، عبر امتصاص الصدمة وإعادة توجيه الزخم.


معهد دراسة الحرب (ISW): المرجع اليومي للبنتاغون ووسائل الإعلام العالمية، سيقرأ المعركة في خرائطه الحية كـ "نقطة تحول عملياتية". فتح محاور متعددة بعد تثبيت العدو في تعز يدل على انتقال نوعي من الدفاع إلى الهجوم المتزامن، وهو المؤشر الكلاسيكي لبداية الانهيار الشامل لتماسك الميليشيا.


المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS - لندن): المرجع العالمي الأول لتقييم القدرات العسكرية في تقريره "التوازن العسكري". سيركز IISS على أن الجيش اليمني حقق "التفوق النوعي في إدارة المسارح"، حيث تمكن بقوة محدودة من تشتيت قوة أكبر عبر التلاعب بالجغرافيا والتوقيت، وهو درس سيتم إدراجه في تقييم موازين القوى في الشرق الأوسط لعام 2026.




إن معركة استعادة الدولة في اليمن اليوم لم تعد مجرد انتصار تكتيكي، بل أصبحت عقيدة عسكرية مكتملة الأركان، تثبت أن استعادة الدولة لا تحتاج فقط إلى السلاح، بل إلى الصبر الاستراتيجي، والخداع المحكم، والقدرة على نصب الفخ في المكان والزمان المناسبين. إنه درس سيُدرَّس للأجيال.


باحث استراتيجي يمني .