ليست المفارقة في أن يستحضر السياسيون الدين في حروبهم....
فذلك أمر عرفته البشرية عبر تاريخها، وإنما المفارقة الحقيقية أن يصبح توظيف الدين مشروعًا ومقبولًا حين يصدر عن الغرب وإسرائيل وروسيا.....
بينما يتحول إلى تهمة بالإرهاب والتطرف حين يصدر عن المسلمين.
وهنا تتجلى واحدة من أبشع صور ازدواجية المعايير في السياسة الدولية.
يوم الاربعاء الماضي الموافق ( 30 / 9 / 2026م ) لم يتردد وزير الحرب الأمريكي" بيت هيغسيث " في استحضار النصوص الإنجيلية أمام قيادات جيشه مستعينًا بالمقدس في سياق التعبئة العسكرية، ومعلنًا دعاءه بأن يرسله الله لمحاربة الإسلاميين والشيوعيين.
ولم يكن ذلك خطابًا في كنيسة أو موعظة دينية، بل خطابًا رسميًا أمام قادة المؤسسة العسكرية الأمريكية.
وقبله استحضر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الرموز الدينية والتاريخية في سياق حربه على أوكرانيا، فيما وقفت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في محطات عديدة إلى جانب الخطاب الرسمي للحرب.
أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فقد استدعى قصة عماليق التوراتية في خطابه مع جنوده خلال الحرب على غزة، في توظيف للنص الديني أثار انتقادات واسعة بسبب دلالاته الخطيرة في سياق الحرب.
ثلاثة نماذج مختلفة، لكنها تلتقي في حقيقة واحدة: الدين حاضر في خطاب الحرب، ويُستدعى لتعبئة الجماهير، واستنهاض المشاعر، وإضفاء أبعاد عقائدية وتاريخية على الصراعات السياسية والعسكرية.
لكن لنتأمل هذه المفارقة:
ماذا لو خرج رئيس عربي أو مسؤول مسلم واستحضر نصًا دينيًا في خطاب سياسي أو عسكري؟
ألا تتسابق بعض وسائل الإعلام الغربية إلى اتهامه بالتطرف، وربما بالإرهاب؟ وألا تتحول كلماته إلى مادة للتحريض والاتهام، وربما إلى ذريعة لممارسة الضغوط السياسية عليه؟
لماذا يصبح استحضار الإنجيل في خطاب وزير الدفاع الأمريكي تعبيرًا عن الهوية والإيمان، بينما يُنظر إلى استحضار القرآن في خطاب مسؤول مسلم باعتباره تهديدًا للتسامح والسلم العالمي؟
ولماذا يُسمح لنتنياهو باستدعاء النصوص التوراتية في سياق حرب مدمرة، بينما يُلاحق الخطاب الديني الإسلامي وتُجرَّم بعض مفرداته ويُخلط عمدًا بين المقاومة المشروعة والتطرف والإرهاب؟
إن القضية ليست في حق أحد في الاعتزاز بدينه، ولا في رفض حضور الدين في المجال العام....
بل في تلك المعايير الانتقائية التي تجعل ما يُعد حقًا مشروعًا للأقوياء جريمةً حين يصدر عن المسلمين.
فالدين في حسابات السياسة الدولية، يبدو وكأنه امتياز للقوي، وتهمة للضعيف.
والأكثر إيلامًا أن هذه الازدواجية لا تجد في العالم العربي والإسلامي موقفًا رسميًا يوازي خطورتها.
فبينما يتسابق بعض المسؤولين العرب إلى إثبات اعتدالهم أمام العواصم الغربية، ويبالغون في التحفظ على الخطاب الديني الإسلامي، نادرًا ما نسمع صوتًا رسميًا يواجه توظيف الدين في الحروب حين يصدر عن القوى الكبرى.
وهنا يبرز السؤال: هل بلغ الخوف من إغضاب الغرب حدًّا يجعل بعض الأنظمة العربية عاجزة حتى عن الدفاع عن حق شعوبها في التعبير عن هويتها الدينية؟ أم أن الصمت أصبح جزءًا من سياسة التماهي مع مواقف القوى النافذة؟
ليس المطلوب أن نرد على خطاب ديني متطرف بخطاب مماثل، أو أن نحول الدين إلى وقود للحروب، وإنما المطلوب أن تكون هناك معايير عادلة لا تفرق بين دين وآخر، ولا بين دولة قوية وشعب مستضعف.
إن أخطر ما في هذه الازدواجية ليس أن الأقوياء يوظفون الدين لخدمة حروبهم فحسب، بل أن العالم اعتاد أن يتقبل ذلك منهم، بينما يطالب المسلمين بالتخلي عن هويتهم الدينية، وكأن عليهم أن يعتذروا عن عقيدتهم كلما تحدثوا عن حقوقهم وقضاياهم.
إنها معادلة مختلة تختصر مأساة عالم لا يتعامل مع المبادئ بوصفها قيمًا ثابتة، بل بوصفها أدوات سياسية تتغير بتغير المصالح وموازين القوة.ع
الدين حلالٌ لهم، وإرهابٌ علينا!!!
تلك هي خلاصة المشهد...
حين يصبح المقدس وسيلة لتبرير الحروب في أيدي الأقوياء، وتصبح العقيدة الإسلامية موضع اتهام في أفواه المسلمين.
أما الأنظمة العربية فليس المطلوب منها أن تشعل الحروب باسم الدين، بل أن تمتلك الشجاعة للدفاع عن كرامة شعوبها، وأن ترفض ازدواجية المعايير، وألا تجعل الصمت ثمنًا للرضا الغربي.
فالأمم التي تعجز عن الدفاع عن حقها في التعبير عن هويتها، لا ينبغي أن تستغرب حين يتحول صمتها إلى سياسة، وتتحول سياستها إلى تبعية.