هناك لحظة في الحروب تتوقف فيها التحليلات عن كونها مجرد احتمالات، وتبدأ الوقائع في اختبارها على الأرض.
وأعتقد أننا نقترب اليوم من هذه اللحظة في اليمن.
ففي الثاني من أكتوبر 2026، نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين إقليميين وغربيين أن السعودية تدرس عملية عسكرية ضد الحوثيين، تقودها قوات يمنية على الأرض بإسناد جوي سعودي، وأن من بين الخيارات المطروحة عملية ساحلية تستهدف المناطق المحيطة بباب المندب وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، أو عملية أوسع على عدة جبهات.
بالنسبة لي، لم يكن اتجاه الخبر مفاجئًا.
فمنذ أسابيع وأنا أكتب عن مسار يقود، منطقيًا، من البحر إلى الأرض. لا لأنني أملك معلومات سرية عما يدور في غرف العمليات، وإنما لأن الجغرافيا كانت تقول إلى أين يمكن أن تتجه الحرب.
الحوثي وصل إلى البحر… لكنه دخل الفخ
في 16 سبتمبر 2026م كتبت مقالًا بعنوان:
«الحوثي وصل إلى البحر… لكنه دخل الفخ»
وكان جوهر الفكرة أن الحوثي عندما يقاتل داخل جبال اليمن يستطيع الاستفادة من التضاريس وإطالة الحرب واستنزاف خصومه.
لكن عندما يصل إلى باب المندب، تتغير طبيعة المعركة.
فهو لم يعد يهدد خصومه اليمنيين وحدهم، ولم تعد المسألة مرتبطة بالسعودية وحدها، بل أصبح قريبًا من أحد أهم شرايين التجارة الدولية.
وهناك فرق هائل بين أن تسيطر جماعة مسلحة على جبل، وبين أن تمتلك القدرة على تهديد مضيق ترتبط به مصالح دول وقارات وأساطيل وشركات عالمية.
قلت يومها إن الحوثي ربما يرى وصوله إلى البحر انتصارًا.
لكنني رأيته بداية انكشاف.
فالجبال تستره.
يا
أما الساحل فيكشفه.
ثم سألت: هل بدأ الفخ؟
وفي 19 سبتمبر 2026م نشرت:
«بعد هرمز وباب المندب.. هل بدأ الفخ الذي حذرت منه؟»
وذهبت فيه خطوة أبعد.
كان السؤال: ماذا لو أدى وصول الحوثي إلى باب المندب إلى تحويل الحرب من مشكلة يمنية وإقليمية إلى مشكلة دولية مرتبطة بحرية الملاحة والتجارة العالمية؟
فالسعودية تريد بحرًا أحمر آمنًا، ومصر ترتبط مصالحها بأمن الطريق المؤدي إلى قناة السويس، والعالم يحتاج إلى استمرار الملاحة عبر هذا الشريان.
وهذه المصالح لا تحتاج إلى اتفاق أيديولوجي لكي تلتقي.
الجغرافيا وحدها تكفي.
واليوم لم يعد النقاش محصورًا في اعتراض صاروخ أو إسقاط مسيّرة أو حماية سفينة.
أصبح الحديث يصل إلى الأرض نفسها.
وهنا تبدأ المرحلة الأخطر.
البحر لا يُؤمَّن من البحر وحده
يمكن للأساطيل حماية السفن.
ويمكن للطائرات اعتراض المسيّرات.
ويمكن للمدمرات إسقاط الصواريخ.
لكن إذا بقيت الأرض المطلة على المضيق في يد قوة تستطيع نشر الصواريخ والمسيّرات والرادارات والأسلحة الساحلية، فإنك تعالج النتيجة وتترك السبب.
يمكنك اعتراض مئة صاروخ، ثم يأتي الصاروخ رقم 101.
ومن هنا يتغير السؤال الاستراتيجي من:
كيف نحمي السفن؟
إلى:
كيف نبعد مصدر التهديد عن المضيق؟
وهذا هو الفارق بين إدارة الخطر ومحاولة تغيير البيئة الجغرافية التي تسمح باستمراره.
وعند هذه النقطة تصبح الحرب البرية احتمالًا منطقيًا، لأن تغيير خريطة السيطرة لا تحققه الطائرات وحدها.
من هرمز بدأت القراءة
ما يحدث عند باب المندب لا أراه منفصلًا عن الصورة الأكبر التي كتبت عنها بشأن مضيق هرمز.
ففي 2 سبتمبر 2026م كتبت:
«أمريكا بدأت تفكيك إيران»
ثم في 3 سبتمبر 2026م:
«هل أمريكا جادة في فتح مضيق هرمز للعالم؟»
وفي 4 سبتمبر 2026م:
«بعد فتح هرمز… هل تدخل الجزر في المعادلة؟»
وكان جوهر هذه السلسلة سؤالًا واحدًا:
هل تستطيع القوة البحرية والجوية وحدها ضمان أمن مضيق استراتيجي إذا بقيت الجغرافيا المحيطة به قادرة على تهديده؟
واليوم يعود السؤال نفسه عند الطرف الآخر من الجزيرة العربية:
باب المندب.
فهرمز وبحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس ليست ملفات منفصلة.
إنها حلقات في شريان استراتيجي واحد.
ومن يهدد عقدة من عقد هذا الشريان لا يضع نفسه في مواجهة دولة واحدة، بل يمس مصالح دول عديدة تعتمد على بقائه مفتوحًا.
لهذا توقعت أن تصل الحرب إلى الأرض
إذا أصبح الهدف إبعاد الحوثي عن باب المندب، فإن السؤال لم يعد بحريًا:
من يسيطر على الأرض المطلة على المضيق؟
وهذا سؤال بري.
الضربات الجوية تستطيع إضعاف الحوثي وتدمير مخازن ومنصات ورادارات، لكنها لا تستطيع رفع علم على الأرض ولا الاحتفاظ بها.
ومن هنا كان توقعي بأن الأزمة، إذا استمرت في هذا الاتجاه، ستصل في النهاية إلى احتمال عملية برية.
ليس لأنها سهلة.
بل لأن الجغرافيا قد تفرضها.
لكن من سيقاتل الحوثي؟
الحرب البرية ليست نزهة.
والحوثي ليس خصمًا ينبغي التقليل منه بعد أكثر من عقد من الحرب.
لقد راكم خبرة قتالية، وبنى تحصينات، وطوّر قدراته الصاروخية والمسيّرة، ويعرف الأرض، ويستطيع خوض حرب استنزاف طويلة.
لكن السؤال الأصعب ليس الحوثي وحده:
من سيقاتله على الأرض؟
هل كل القوى الموجودة اسميًا في المعسكر المناهض للحوثي تريد فعلًا إنهاء الحرب؟
أم أن استمرارها تحول لدى بعض الأطراف إلى نفوذ ومناصب وتمويل ومصالح؟
تستطيع جمع عشرات الآلاف من المقاتلين وتسليحهم وتوفير الغطاء الجوي لهم.
لكن الرقم لا يصنع جيشًا.
العقيدة تصنع الجيش.
والقيادة الموحدة تصنع الجيش.
والهدف الواضح يصنع الجيش.
ولهذا، إذا فُتحت الجبهة فعلًا، فسيأتي الامتحان الحقيقي لكل من تحدث طوال سنوات عن تحرير اليمن.
عندها لن تكفي البيانات والخطب.
الميدان هو الذي سيتحدث.
باب المندب أولًا… ثم ماذا؟
إذا كانت العملية المطروحة محدودة لإبعاد الحوثي عن باب المندب والساحل، فهدفها الاستراتيجي مفهوم: إبعاد وسائل التهديد عن الممر الدولي.
لكن السؤال الأصعب سيبدأ بعد ذلك:
ماذا بعد باب المندب؟
هل يتوقف الهجوم بعد تأمين المضيق؟
أم يتحول نجاح الساحل إلى نقطة انطلاق لتغيير ميزان الحرب؟
وهل تُفتح جبهات أخرى لإجبار الحوثي على توزيع قواته؟
هذه حتى الآن سيناريوهات، وليست حقائق محسومة.
لكن مجرد انتقال النقاش من اعتراض الصواريخ إلى السيطرة على الأرض يمثل تحولًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.
الخطأ الجغرافي للحوثي
ربما اعتقد الحوثي أن اقترابه من باب المندب يمنحه ورقة ضغط أكبر.
وقد يكون ذلك صحيحًا تكتيكيًا.
لكن هناك وجهًا آخر للمعادلة.
كل كيلومتر يقترب فيه من الممر الدولي قد يزيد عدد الدول التي تعتبر وجوده هناك تهديدًا لمصالحها.
وهنا المفارقة:
كلما ازدادت قدرتك على تهديد المضيق، قد ترتفع أيضًا قيمة إبعادك عنه.
وهذا هو الفخ.
الحوثي داخل جبال صعدة مشكلة يمنية وإقليمية معقدة.
أما الحوثي القادر على تهديد باب المندب فيصبح مشكلة تمس مصالح دولية أوسع.
وربما يكون الحوثي، عندما ظن أنه يوسع مساحة نفوذه، قد وسع في الحقيقة دائرة خصومه.
وهنا أسجلها للتاريخ
التواريخ هنا مهمة.
في 2 سبتمبر 2026م كتبت عن التحول في المواجهة مع إيران.
وفي 3 سبتمبر طرحت سؤال فتح هرمز، وهل تكفي القوة البحرية وحدها لضمانه.
وفي 4 سبتمبر انتقلت إلى سؤال الجزر والجغرافيا المسيطرة على المضيق.
ثم انتقلت القراءة إلى اليمن.
في 16 سبتمبر كتبت:
«الحوثي وصل إلى البحر… لكنه دخل الفخ»
وفي 19 سبتمبر كتبت:
«بعد هرمز وباب المندب.. هل بدأ الفخ الذي حذرت منه؟»
وكان السؤال الذي طرحته حينها واضحًا:
هل يؤدي تهديد باب المندب في النهاية إلى انتقال المواجهة من اعتراض الصواريخ في البحر إلى معركة على الأرض لإبعاد الحوثي عن المضيق؟
واليوم، في مطلع أكتوبر، أصبح الحديث يدور علنًا عن سيناريو عملية برية تقودها قوات يمنية بإسناد جوي سعودي، وعن خيار ساحلي حول باب المندب.
أسجل ذلك لا ادعاءً بمعرفة الغيب، ولا لأن قرار الحرب أصبح محسومًا، وإنما لتوثيق مسار قراءة استراتيجية سبق ظهور هذه الأخبار:
هرمز.
ثم الجزر.
ثم البحر الأحمر.
ثم باب المندب.
ثم الأرض.
ثم احتمال الحرب البرية.
إنها ليست ملفات منفصلة.
بل حلقات في معادلة واحدة.
الفخ يقترب من الأرض
في 16 سبتمبر قلت:
الحوثي وصل إلى البحر… لكنه دخل الفخ.
وفي 19 سبتمبر سألت:
هل بدأ الفخ الذي حذرت منه؟
واليوم أصبح السيناريو الذي تحدثت عنه مطروحًا في التقارير عن الخيارات العسكرية.
لا أقول إن الحرب البرية بدأت.
ولا أن القرار اتُخذ نهائيًا.
لكن السؤال تغير.
كان:
كيف نحمي السفن من الحوثي؟
وأصبح يقترب من:
كيف نبعد الحوثي عن المكان الذي يستطيع منه تهديد السفن؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين إدارة التهديد ومحاولة إزالة مصدره الجغرافي.
وإذا بدأت العملية البرية فعلًا، فقد نكون أمام أحد أخطر التحولات في حرب اليمن منذ سنوات.
وقد يتبين أن الحوثي، عندما اندفع نحو باب المندب، لم يكن يفتح لنفسه طريقًا إلى البحر بقدر ما كان يخرج من حصونه الطبيعية إلى ميدان أكثر انكشافًا.
وهنا تكتمل المفارقة:
ربما لم يكن الوصول إلى باب المندب أكبر انتصار للحوثي.
ربما كان أكبر خطأ جغرافي ارتكبه.
فالجبال منحته الحماية.
أما البحر فقد وضعه أمام العالم.
والأيام القادمة ستكشف إن كان السيناريو الذي حذرت منه سيبقى احتمالًا، أم سيتحول إلى واقع على الأرض.
لكن إن تحركت القوات فعلًا، فقد نكتشف أن الحوثي عندما ظن أنه وصل إلى البحر ليهدد العالم…
كان في الحقيقة قد وصل إلى المكان الذي سيجعل العالم يلتفت إليه.