آخر تحديث :السبت-03 أكتوبر 2026-01:30ص

أين الدولة من معركة استعادة المبادرة؟

الجمعة - 02 أكتوبر 2026 - الساعة 08:39 م
محمد خالد الحسيني


هجوم عنيف وقوي على تعز، أعقبه هجوم بالطيران المسيّر استهدف مقر قوات التحالف في عدن، وسط حالة من الغموض غير المبرر من قبل الحكومة والمجلس الرئاسي إزاء الأحداث الأخيرة، رغم شدتها وخطورتها.


إضافةً إلى ذلك، سقوط صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه خميس مشيط في السعودية، وقبلها بيوم استهداف محطة كهرباء في المدينة المنورة.


تطورات متسارعة ومقلقة، يقابلها هجوم حوثي وحالة صد من

قبل القوات الحكومية، وإدانة واستنكار من قبل السعودية.


وهنا يبرز السؤال: ماذا يريد الحوثي بالضبط؟ هل يكتفي بالسيطرة على المرتفعات المطلة على باب المندب، أم أنه يخطط لما هو أبعد؟


محمد علي الحوثي، قبل أيام، يقول إن الهدف عدن، وإن أعينهم متجهة صوب عدن، وإنهم عائدون إليها ويعملون من أجل ذلك.


وهذه التصريحات، بصرف النظر عن كونها رسائل سياسية أو عسكرية، لا يمكن تجاهلها عند قراءة اتجاه الأحداث، خصوصًا في ظل ما يجري على الأرض من تطورات متسارعة.


فإذا كانت القوات الحكومية، بعد خسارة المخا، قد صدت وكسرت هجوم الحوثي على تعز، فإلى متى ستظل في موقف المدافع؟ وهل نفهم من ذلك عدم وجود استراتيجية هجوم للدولة، أم أن هناك أمرًا آخر يدور بعيدًا عن المشهد؟


الحوثي يتحرك ويفرض حضوره على المشهد، فيما تبدو الدولة أكثر انشغالًا بالرد على التطورات من فرض مسار واضح لها.


فأين الدولة؟ ولماذا تراجعت مواقف القيادة السياسية، وتراجع معها الميدان في العودة والإمساك بزمام المعركة؟ أحلام الحوثي تتمدد، ويبدو أنه لا حد لها ولا حدود.


وإذا كان الحوثي يحاول التمكن من السيطرة وتثبيت مواقعه على باب المندب، ناهيك عن وصول طائراته واختراق أجواء العاصمة عدن، فما جدوى الحديث عن صد هجوم هنا أو إيقاف تمدد هناك، إذا كانت الصورة العامة تشير إلى اتساع مساحة نفوذه وتعدد أدوات ضغطه؟


في تقديري، المسألة لم تعد مرتبطة بجبهة بعينها أو بهجوم تم كسره، وإنما بصورة المعركة كلها:

إلى أين تتجه؟ وما هو الهدف الذي تعمل الدولة والقوات الحكومية للوصول إليه؟ وهل هناك استراتيجية واضحة لاستعادة الأرض وتغيير موازين القوة، أم أن المشهد تحول إلى إدارة مستمرة للتهديدات وردود الأفعال؟


وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية: هل بدأت المملكة العربية السعودية تفقد سيطرتها على إيقاع ومجريات المعركة على الأرض؟ وهل ما نشهده يمكن أن يفسر موقف الدولة والقوات الحكومية والمجلس الرئاسي الضعيف، أم أن هناك أمرًا ما يدور خلف الكواليس؟


كيف نقرأ الأحداث ونفهم الواقع إذا كان ما يجري في الميدان لا يبشر بخير؟ وكيف لنا أن نقول إن المعركة تسير وفق ما خطط لها، وإن هناك استراتيجية لاستعادة زمام الأمور، بينما لا تبدو أمام اليمنيين صورة واضحة عن الوجهة والهدف؟


أين المعركة الوطنية؟ وأين معركة التحرير؟ وأين معركة الخلاص الوطني؟ كلها توارت، ولم يتبق في المشهد سوى عكس الغاية والمأمول.


وإذا كانت باكستان تتحدث عن لقاء في المملكة العربية السعودية يضم تحالف دول اتفاق مكة ومعها ست دول أخرى لتدارس الأوضاع والمستجدات، ومن بينها مناقشة اقتراح حل سياسي مع الحوثيين، ومناقشة أمور أخرى كالملاحة وباب المندب، فكيف سيكون هذا الحل وما طبيعته؟ وما جدوى أي نقاش أو اقتراح عن حلول سياسية إذا كان الحوثي يسيطر على أكبر قدر من رقعة ومساحة الأرض، بل ويتمدد ويهدد؟


إذا كان ولا بد من مناقشة أي حل سياسي، فالأحرى أن تعود الأوضاع إلى ما قبل الأحداث الأخيرة، ليتسنى للقوى المتصارعة داخل اليمن الجلوس على طاولة الحوار في ظل توازن القوى، لا في ظل واقع جديد تفرضه التطورات العسكرية على الأرض.


وفي نظري، فإن أي حل لا يمكن أن يكتب له النجاح إذا لم يتناول القضية اليمنية من الداخل، ولم يضع حقيقة الصراع وموازين القوى والواقع الذي يعيشه اليمنيون في صلبه.


أم أن السعودية والدول الأخرى، على ما يبدو، لا تفكر سوى في أمور تخص الإقليم والعالم، ولا تفكر كثيرًا بحقيقة وعمق ما يجري في الداخل اليمني؟


إذا كان الأمر كذلك، فالأمور لا تبشر بما يدعو للتفاؤل، فأمن الملاحة وباب المندب والبحر الأحمر لا يمكن فصله عن أمن اليمن واستقراره، ولا يمكن أن يكون هناك أمن حقيقي للبحر طالما أن اليمن خارج حسابات الإقليم

والدول المجاورة، وطالما أن أصل القضية اليمنية مؤجل أو مغيب.


في تقديري، السؤال اليوم ليس فقط: ماذا يريد الحوثي؟ وإنما ماذا تريد الدولة؟ وإلى أين تقودها خياراتها الحالية؟ وهل ما يجري جزء من استراتيجية محسوبة، أم أن الأحداث تفرض نفسها بينما تكتفي الأطراف الأخرى بالتعامل معها تباعًا؟


اليمن ليس مجرد باب للملاحة، ولا مجرد ساحة في حسابات الإقليم، ولا مجرد ملف أمني يمكن اختزاله في الصواريخ والطائرات المسيّرة.


اليمن هو أصل القضية، وأي حل يتجاهل الداخل اليمني لن يكون حلًا حقيقيًا.


وفي النهاية، يبقى السؤال الذي تُختصر فيه كل هذه المشاهد: هل فقدنا البوصلة، أم أن البوصلة تسير وفق ما أريد لها أن تسير؟