في منتصف القرن العشرين حين كانت خرائط الجنوب العربي مرسومةً على إيقاع السلاطين والأمراء، وحين كان كرسي الحكم في كثير من المناطق ينتقل بالوراثة، وتُقاس قوة الدولة بقوة القبيلة التي تقف خلف الحاكم....
كانت في قلب الجنوب تجربة سياسية مختلفة، تكاد تبدو اليوم وكأنها خرجت من كتابٍ في فلسفة الحكم الرشيد، لا من مجتمع قبلي يعيش ظروف ذلك الزمن.
إنها دثينة،،،
تلك البلاد التي لم تعرف سلطاناً واحداً يستأثر بالحكم، ولا أسرةً مالكةً تتوارث السلطة جيلاً بعد جيل، وإنما عرفت مجلساً للحكم، تشارك فيه ممثلو القبائل، ويتداولون المسؤولية، ويتناوبون الرئاسة.
وفي منتصف الأربعينيات، وبعد سنوات من الصراعات القبلية، جرت لقاءات بين مشايخ دثينة انتهت إلى وقف القتال وتأسيس مجلس للحكم، ثم أُعلن قيام حكومة دثينة عام 1946 وفق دراسة تاريخية حديثة.
وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُروى من جديد.
دولة بلا سلطان ...
لم تكن دثينة دولةً بالمعنى الحديث الذي نعرفه اليوم، ولم تكن مؤسساتها تشبه البرلمانات والحكومات المعاصرة في بنيتها القانونية، لكن اللافت فيها أن أهلها استطاعوا أن يصنعوا صيغة سياسية تقوم على المشاركة والتوافق في بيئة قبلية لم تكن تعرف الدولة الحديثة بمؤسساتها ومفاهيمها المعاصرة.
كان مجلس الحكم يمثل القبائل والمكونات الاجتماعية.
وتذكر المصادر التاريخية أن المجلس ضم ممثلين عن قبائل الحسني والميسري والسعيدي، إلى جانب ممثلين عن قبائل أخرى، وأن رئاسة المجلس كانت دورية بين القبائل الرئيسية.
وهنا تكمن عظمة التجربة.
فقد كان يمكن للقبيلة الأقوى أن تقول:
نحن الأقوى، إذن نحن نحكم.
لكن الفكرة التي تشكلت كانت أقرب إلى:
(نحن مختلفون ولذلك ينبغي أن نجلس معاً )
وهذه هي بداية السياسة الرشيدة.
فالدولة لا تبدأ عندما يعلو صوت الأقوى، وإنما تبدأ عندما يقتنع الأقوياء بأن مصالحهم لا يمكن أن تستمر إلا إذا شعر الضعفاء أنهم شركاء فيه .
ومن أكثر ما يلفت النظر في تجربة دثينة أن رئاسة مجلس الحكم لم تكن ملكاً دائماً لشخص أو أسرة.
لقد كانت الرئاسة دورية، ويتداولها أعضاء المجلس.
وتذكر روايات تاريخية أن اختيار الرئيس كان يتم بالقرعة في بعض مراحل التجربة.
كما تشير المصادر إلى أن مجلس الدولة كان يتكون من تسعة أعضاء في مرحلة من مراحل تطوره يتبادلون رئاسة المجلس.
وهنا تكمن المفارقة الجديرة بالتأمل ...
في زمن كانت فيه المنطقة تعرف حكاماً يستمرون في السلطة ما دام العمر باقياً...
ولكن دثينة كان لها رأي آخر في فلسفة الحكم
فهي تقول بصورة عملية:
(الكرسي ليس لصاحبه، وإنما لصاحب الدور )
وهذه الفكرة وحدها كافية لأن تجعل التجربة جديرة بالدراسة.
فالسلطة حين تصبح ملكاً شخصياً تتحول مع الوقت إلى غنيمة، وحين تتحول إلى غنيمة يصبح الدفاع عنها أهم من الدفاع عن الدولة.
أمٌَا حين يعرف الحاكم أن دوره مؤقت، وأن بعده حاكماً آخر، فإن السلطة تفقد شيئاً من سطوتها، وتستعيد شيئاً من معناها الحقيقي:
يتمثل في خدمة الناس .
من جمهورية دثينة إلى حكومة دثينة ثم ولاية دثينة..
لقد مرت التجربة السياسية في دثينة بعدة تسميات ومراحل.
وتشير مصادر تاريخية محلية إلى أن الكيان عُرف في مرحلة مبكرة باسم جمهورية دثينة، ثم تحول الاسم إلى حكومة دثينة في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يستقر لاحقاً على ولاية دثينة، مع تطور مؤسسات الحكم ودخولها في ترتيبات اتحاد الجنوب العربي.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية للتجربة لا تكمن في الاسم: أكانت جمهورية أم حكومة أم ولاية.
القيمة في طريقة إدارة الاختلاف.
فالأسماء تتغير، والخرائط تتبدل، والدساتير تأتي وتذهب، لكن السؤال الذي يبقى هو:
كيف يحكم الناس أنفسهم دون أن يأكل بعضهم بعضاً؟
ودثينة قدمت، في حدود زمانها وإمكاناتها، إجابة تستحق التأمل ..
ففي دثينة لم تكن الشورى مجرد كلمة جميلة تُقال في المجالس، بل تحولت إلى ممارسة سياسية.
كان هناك مجلس يناقش شؤون الناس، وممثلون عن المناطق والقبائل، ثم تطورت التجربة لاحقاً إلى مجالس تشريعية ومحلية وقروية.
وتشير مصادر تاريخية إلى وجود مجلس للشيوخ ومجلس تشريعي ومجالس محلية وقروية تتولى شؤوناً مختلفة من الإدارة والخدمات.
أي أن فكرة المشاركة لم تكن محصورة في رأس السلطة.
بل بدأت تتسرب إلى جسم المجتمع نفسه.
وهنا درس بالغ الأهمية:
الدولة الرشيدة ليست التي تضع كل السلطات في العاصمة، وإنما التي تجعل المواطن يشعر أن له مكاناً في صناعة القرار.
فالمجلس المحلي، والمجلس القروي، وممثل المنطقة، ليست مجرد مسميات إدارية؛ إنها جسور بين الناس والدولة.
وكلما قصرت المسافة بين المواطن وصاحب القرار، قلّت مساحة الظلم، واتسعت مساحة المساءلة.
دثينة والحاضر.. سؤال لا ينتهي ،،
حين نقرأ تاريخ دثينة اليوم لا ينبغي أن نفعل ذلك بعين الحنين وحدها.
ليس المطلوب أن نقول إن الماضي كان مثالياً، أو أن المجتمع القبلي كان ديمقراطياً بالمعنى الحديث للكلمة.
فذلك سيكون ظلماً للتاريخ.
لكن المطلوب أن نسأل:
كيف استطاع مجتمع قبلي في منتصف القرن العشرين أن يصل إلى صيغة لتداول المسؤولية، بينما لا تزال مجتمعات حديثة تعاني من عقدة السلطة؟
كيف فهم أولئك الرجال في زمنٍ كانت وسائل الاتصال فيه محدودة..... أن احتكار الحكم يولد الخصومة؟
كيف أدركوا أن القبيلة يمكن أن تكون إطاراً للمشاركة بدلاً من أن تكون أداة للإقصاء؟
وكيف قبل صاحب النفوذ أن يجلس إلى جوار غيره في مجلس واحد، وأن يترك الكرسي بعد انتهاء دوره؟
هذه الأسئلة ليست تاريخية فقط.
إنها أسئلة الحاضر.
فما أشد حاجتنا اليوم إلى استعادة المعنى الذي غاب!!!
فأخطر ما يصيب الدولة ليس الفقر وحده، ولا الحرب وحدها، ولا ضعف الموارد.
أخطر ما يصيبها أن يقتنع الحاكم بأن الدولة له.
عندها تصبح الوظيفة مكافأة، والمنصب غنيمة، والمؤسسة ملكاً خاصاً، والقانون عصاً تُرفع على الخصوم، والمال العام خزينةً مفتوحة أمام الأقوياء.
وحين تصل الدولة إلى هذه المرحلة، لا يعود السؤال:
كيف نخدم الناس؟
بل يصبح:
كيف نبقى في السلطة؟
وهنا تبدأ الدولة في الموت، حتى وإن بقيت أعلامها مرفوعة ومكاتبها مفتوحة.
أما دثينة : فتقدم لنا من تاريخها القديم درساً بسيطاً وعميقاً:
أن الحاكم الذي يعرف أن السلطة ستغادره، يكون أقرب إلى احترامها من الحاكم الذي يعتقد أنها لن تغادره.
الدرس الدثيني،،
ربما لم تكن دثينة تمتلك كل مقومات الدولة الحديثة.
وربما كانت تجربتها محدودة بزمانها ومكانها وبيئتها الاجتماعية والسياسية.
لكنها امتلكت شيئاً بالغ الأهمية:
فكرة أن الحكم لا ينبغي أن يكون ملكاً لشخص.
ولهذا فإن إعادة قراءة تجربة دثينة اليوم ليست دعوة إلى استنساخ الماضي، ولا إلى إعادة إنتاج النظام القبلي.
إنها دعوة إلى استعادة روح المشاركة.
أن تكون السلطة تداولية لا أبدية.
أن يكون المسؤول خادماً لا سيداً.
أن تكون القبيلة أو المنطقة وسيلةً للتمثيل لا ذريعةً للإقصاء.
أن يكون الاختلاف باباً إلى الشورى لا مدخلاً إلى الاقتتال.
أن يشعر المواطن أن الدولة دولته، وأن المال العام ماله، وأن المسؤول موظف عند المجتمع لا مالكاً للمجتمع.
دثينة.. ذاكرة سياسية تستحق الإنصاف
لقد انتهى كيان دثينة السياسي مع التحولات الكبرى التي شهدها جنوب اليمن عام 1967، لكن نهاية الكيان لا تعني نهاية الدرس.
فالتجارب السياسية لا تقاس فقط بمدة بقائها، وإنما بما تتركه من أفكار.
ودثينة تركت سؤالاً كبيراً:
هل كان بإمكان مجتمع قبلي أن يسبق عصره في بعض صور المشاركة وتداول السلطة؟
قد تكون الإجابة نعم، ولكن بشروط.
فلا ينبغي أن نضع عليها ثوب الديمقراطية الحديثة كاملاً، ولا أن نحولها إلى أسطورة سياسية؛ وإنما علينا أن نعترف بأن تجربة دثينة قدمت نموذجاً محلياً فريداً في التمثيل والتشاور وتداول المسؤولية، وهو ما تؤكده مصادر تاريخية عدة عند حديثها عن مجلس الدولة وتناوب رئاسته.
وربما كان أجمل ما في هذه التجربة أن أهل دثينة لم يسألوا:
من الذي يستحق أن يحكم إلى الأبد؟
بل كان السؤال أقرب إلى:
من الذي يستطيع أن يحمل الأمانة الآن؟
وبين السؤالين مسافة شاسعة.
فالأول يبحث عن السلطة.
أما الثاني فيبحث عن الأمانة.
وبين السلطة والأمانة قامت كل الفوارق بين حكمٍ يُفسد الإنسان، وحكمٍ يصلح الناس.
ولذلك فإن دثينة لا تستحق أن تُذكر فقط في كتب التاريخ باعتبارها اسماً عابراً من أسماء كيانات جنوب اليمن، بل تستحق أن تُقرأ باعتبارها تجربة سياسية يمنية جديرة بالتأمل؛ تجربة قالت : قبل أن تصبح عبارات الحكم الرشيد لغةً عالمية:
تلك هي دثينة التي ربما نحتاج اليوم إلى أن نقرأ تاريخها لا لنعيش في الماضي...
بل لنعرف كيف يمكن أن نصنع مستقبلاً لا يأكل فيه الحاكم شعبه، ولا يأكل الشعب دولته، ولا تتحول السلطة من أمانة إلى غنيمة.