آخر تحديث :السبت-03 أكتوبر 2026-01:30ص

-كيف رُوّج الحوثيون وضخموا رواية «التقدم الحوثي» في تعز؟ وماهي الحقيقة ؟

الجمعة - 02 أكتوبر 2026 - الساعة 01:03 م
احمد الشلفي


#أحمدالشلفي

* منذ بدء الهجوم الواسع على تعز مساء الأربعاء والخميس، انتشرت على منصات التواصل ووسائل إعلام موالية للحوثيين روايات متلاحقة عن سقوط مناطق، وانسحاب قوات حكومية، ووصول الحوثيين إلى مناطق جديدة في غرب وجنوب تعز. لكن مراجعة عدد من هذه الادعاءات تظهر أن بعضها خلط بين ثلاثة أشياء مختلفة: السيطرة القديمة، والتسلل المؤقت، والبعض تعمد التزييف .

* مقبنة مثال واضح: الحديث عن «دخول الحوثيين مقبنة» لا يشرح خريطة السيطرة الحقيقية؛ فالمديرية كانت قبل هجوم الخميس أصلاً منطقة سيطرة متداخلة، ويملك الحوثيون أجزاء واسعة من شمالها وشمال شرقها، فيما تتمركز القوات الحكومية في أجزاء أخرى جنوباً وغرباً. كما أن جبهة حمير ومواقع أخرى في مقبنة كانت خطوط تماس قبل الجولة الحالية. وبالتالي فإن مجرد ذكر اسم «مقبنة» باعتباره تقدماً جديداً يمكن أن يعطي انطباعاً أوسع مما تغير فعلياً على الأرض.

* والأمر نفسه يظهر في غرب تعز؛ فخلال سبتمبر تحركت خطوط التماس في مقبنة والكدحة وجبل حبشي مرات عدة، وحدث تبادل محدود للسيطرة على مرتفعات ومواقع. لذلك لا يكفي القول إن الحوثيين «دخلوا غرب تعز» لإثبات تقدم جديد؛ يجب تحديد القرية أو المرتفع، ومَن كان يسيطر عليه قبل الهجوم، وهل احتُفظ به بعد انتهاء الاشتباك.

* في سامع، رُوّجت روايات عن تقدم واسع، بينما ما تؤكده المصادر المنشورة هو أن الحوثيين دفعوا بتعزيزات من اتجاه دمنة خدير وحاولوا التقدم باتجاه جبل سامع وعزلة شريع، وأن مواجهات دارت مع أبناء المنطقة والقوات الحكومية. وتحدثت المصادر الحكومية والمحلية عن إحباط التقدم؛ ولا يوجد حتى الآن ما يثبت تقدم حوثي في مديرية سامع أو حدوث تغير في خريطتها.

* في بني بكاري بمديرية جبل حبشي، حدثت بالفعل مواجهات عنيفة، وكانت المنطقة من أكثر جبهات الخميس نشاطاً. وتحدثت المعلومات الميدانية عن دخول محدود إلى قرية أو قريتين خلال الاشتباكات ثم تراجع العناصر المهاجمة، فيما واصلت القوات الحكومية صباح الجمعة قصف مواقع وتحركات حوثية في بني بكاري. لذلك فهناك فارق بين اختراق موضعي خلال القتال وبين تثبيت سيطرة جديدة؛ حتى الآن لا توجد مصادر مستقلة تؤكد تغييراً واسعاً وثابتاً في خريطة السيطرة هناك.

* أما هيجة العبد، فالرواية الأكثر تضليلاً كانت تصوير عملية الخميس باعتبارها «سيطرة على الطريق». ما نُشر ميدانياً يفيد بأن عناصر حوثية تسللت إلى نجد البَرْد أسفل طريق هيجة العبد وفجرت عبّارة رئيسية، ثم قالت مصادر محلية وعسكرية إن القوات الحكومية والأهالي ضبطوا العناصر المتسللة وأمّنوا المنطقة. أي أن الواقعة كانت تسللاً وعملاً عسكرياً استهدف الطريق، لا سيطرة ثابتة على هيجة العبد.

* واتسعت الرواية بعد ذلك إلى ما هو أكبر بكثير من الوقائع الميدانية؛ إذ تداولت وسائل وحسابات موالية للحوثيين مزاعم عن انهيار القوات الحكومية وانسحابها من التربة والشمايتين وسامع وهيجة العبد، وصولاً إلى دخول الحوثيين مدينة تعز. ولايوجدأدلة تثبت هذه الرواية الأوسع، بينما أظهرت الوقائع استمرار القتال على خطوط التماس بدلاً من انهيار شامل للجبهات.

* ومن أبرز الأمثلة أيضاً تداول فيديو لعربات عسكرية على أنه يوثق دخول الحوثيين مدينة التربة. التحقق أظهر أن الفيديو يعود إلى 16 سبتمبر، وأن العربات كانت تابعة للقوات الحكومية ومتجهة من عدن ضمن تعزيزات عسكرية، وليس رتلاً حوثياً يدخل التربة.

* كذلك أعيد نشر مقاطع قديمة لأرتال عسكرية على أنها توثق انسحاب ألوية العمالقة وقبائل الصبيحة من جبهات تعز ولحج. وبالتحقق تبين أن أحد المقاطع يعود إلى عام 2021 وآخر إلى فبراير 2026، ولا يوثقان انسحاباً حديثاً.

* وظهرت رواية أخرى تتحدث عن انشقاقات داخل ألوية العمالقة وتسليم إحدى الوحدات أسلحتها للحوثيين، وهو خبر كاذب كما استُخدمت ضمن هذه الرواية مواد مصورة قديمة وخارج سياقها.

* ووصلت الموجة إلى نشر منشور من حساب منتحل باسم مجلس القيادة الرئاسي يدّعي وجود اتفاق على «تسليم تعز سلمياً» للحوثيين. التحقق أظهر أن المنشور لم يصدر عن القنوات الرسمية، وأن الموقف المنشور للرئاسة في اليوم نفسه كان يتحدث عن مواجهة الهجمات الحوثية وليس عن تسليم المحافظة.

* كما نُسب إلى قائد جبهة تعز يوسف الشراجي منشور يتهم قبائل الصبيحة بـ«الخيانة». تبيّن أن الحساب الذي نشره منتحل، وكان الشراجي قد نفى أصلاً امتلاكه حساباً على منصة إكس.

* وهناك روايات أخرى عن اتفاق بين حزب الإصلاح والحوثيين لتحييد مديريات في ريف تعز، و صُنفت هذه الرواية على أنها مضللة في عملية التحقق لأنها كاذبة.

* اللافت أن هذه الموجة لم تكن منشورات فردية متفرقة فقط. الصحفي المتخصص في مكافحة الشائعات طه صالح قال لـ«يمن ديلي نيوز» إن الرصد يشير إلى شبكة من حسابات وصفحات مرتبطة بالحوثيين تبدأ منها بعض الروايات ثم تعيد حسابات أخرى تدويرها على نطاق واسع، لكنه قدم ذلك كتفسير لنمط الانتشار، وليس دليلاً مستقلاً على كل حساب على حدة.

* وفي مقابل هذه الروايات، الوقائع المؤكدة حتى صباح الجمعة تشير إلى أن المعارك كانت حقيقية وواسعة جداً، وأن الحوثيين شنوا هجمات ومحاولات تسلل على عدد كبير من جبهات تعز. كما نفذت القوات الحكومية عشرات الغارات واستمرت المواجهات في حمير وبني بكاري وسامع والأقروض والكدحة ومحيط المدينة. أي أن نفي الشائعات لا يعني نفي خطورة الهجوم نفسه.

* بل إن القوات الحكومية أعلنت الجمعة استعادة دار الراحة في بني عمر والتقدم باتجاه شعب الدراهم، وهو مؤشر إضافي على أن خريطة السيطرة كانت شديدة الحركة في بعض النقاط، وأن وصف كل اختراق حوثي أثناء المعارك بأنه «سيطرة نهائية» لا يعكس طبيعة القتال الجبلي المتحرك في تعز.

* لصورة الأدق انه حدثت هجمات وتسللات واختراقات محدودة بالفعل. لكن موجة المعلومات المتداولة وسعت حجم هذه التحركات، وقدمت مواقع كانوا موجودين فيها أصلاً كأنها مكاسب جديدة، وقدمت تسللات مؤقتة باعتبارها سيطرة، واستخدمت في حالات أخرى فيديوهات قديمة وحسابات منتحلة وروايات غير مثبتة لتكوين انطباع بأن جبهات تعز تنهار تباعاً. المعطيات المتاحة حتى ظهر الجمعة لا تدعم هذا التصوير؛ فالقتال مستمر، ولاتحول استراتيجي شامل في خريطة السيطرة بتعز.

#أحمدالشلفي