آخر تحديث :الأربعاء-21 أكتوبر 2026-01:59ص

الوظيفة الحكومية بين الكفاءة والولاء

الجمعة - 02 أكتوبر 2026 - الساعة 12:35 م
عيدروس المدوري


تتأسس الدولة الحديثة في جوهرها على مفهوم المرفق العام وهو المساحة التشاركية التي تُدار بالعدالة وتُصان بالكفاءة وتُتاح فيها الفرص للجميع على قدم المساواة غير أن هذا المفهوم الأخلاقي والسياسي يتعرض لانتكاسة جارفة عندما تُنحى الحقوق وتُصادر الكفاءات لصالح المحسوبيات وحواشي النفوذ حينها لا نكون أمام خلل إداري عابر بل أمام تجريف بنيوي يحوّل الوظيفة الحكومية إلى مجرد سلعة في سوق النخاسة تصبح المرافق العامة ملكية خاصة للنافذين .

إن تقريب الحاشية على حساب أصحاب الكفاءة يمثل الانتهاك الأشد خطورة لفكـرة المواطنة . فعندما يُختزل المعيار الإداري في مدى الولاء الشديد أو القرب العائلي والحزبي يُسلب أصحاب المهارات حقهم المشروع في الترقية والعطاء هذا التهميش المنظم يرسل رسالة خطيرة للشباب والمبدعين مفادها لا قيمة لمعرفتك ما لم تكن طوع إرادة النافذ وفي هذه البيئة الموبوءة تُهدر الطاقات الشابة وتُدفن الكفاءات الوطنية أو تُدفع دفعاً نحو الهجرة والرحيل .

ومع استمرار هذا النهج تفقد المؤسسة العامة روحها الوظيفية وتتحول إلى معقل للإقطاع الحديث . تصبح إدارة المرفق العام شبيهة بصفقات المزاد تُوزّع فيها المناصب والترقيات كغنائم وأعطيات لشراء الولاءات وضمان التبعية وفي منظومة كهذه يُنسى مفهوم الخدمة العامة ليحل محله منطق النخاسين الذين يتصرفون في مقدرات ومناصب الدولة وكأنها أصول خاصة يُتاجرون بها لحسابهم الشخصي .

إن التداعيات المترتبة على انتهاك حقوق الكفاءات لا تقف عند حدود الظلم الفردي بل تمتد لتضرب عمق الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي فالإدارة القائمة على الحواشي والجهلاء عاجزة بطبيعتها عن التطوير والإبداع وتتسبب حتماً في تفشي الفساد الإداري وتراجع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وضياع ثقة الشارع بمؤسسات الدولة .

إن الخروج من هذه المزاد الوظيفي يتطلب إعادة الاعتبار لقواعد الحوكمة الرشيدة وتفعيل مبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص الوظيفة العامة ليست هبة يُنعم بها النافذون ولا غنيمة تُقسم بين المقربين بل هي تكليف وطني وأمانة أخلاقية أساسها الأحق والأكفأ وإذا ما أريد للدولة أن تستعيد هيبتها ووظيفتها التنموية فلا بد من غلق سوق النخاسة هذا وإعادة المرافق العامة إلى أصحابها الحقيقيين الوطن والمواطن .