هذه الطفلة اليمنية التي رأيتموها تبكي في مدرجات الملعب بعد فرحة اليمن وانتصاره على البحرين، لم تكن دموعها مجرد دموع فرح بفوزٍ رياضي، كانت تبكي شيئاً أعمق بكثير. كانت تبكي وطناً أنهكته السنوات، وشعباً طال انتظاره للفرح، وأجيالاً كبرت وهي تعرف الحزن أكثر مما تعرف الاحتفال.
انظروا إلى وجهها جيداً، ستدركون أن الحكاية أكبر من مباراة، وأكبر من نتيجة، وأكبر من أهداف هزّت الشباك وأشعلت المدرجات اليمنية فرحاً. في عيني هذه الطفلة تختصر اليمن كلها؛ وطنٌ يفرح بكل شيء جميل مهما كان صغيراً، لأن الأشياء الجميلة أصبحت نادرة إلى درجة أن الإنسان اليمني صار يحتضنها بكل جوارحه عندما تأتي. نحن الشعب اليمني ربما من أكثر شعوب الأرض بحثاً عن الفرح بين ركام الأيام؛ شعبٌ يداوي جراحه وهو يعرف في اللحظة نفسها أن جرحاً آخر قد يُفتح، شعبٌ يضحك حين يجد سبباً للضحك ثم يعود إلى واقعه مثقلاً بما لا يستطيع أن يقوله. شعبٌ قد يحتفل بافتتاح متجر صغير في حارته، أو بساعات قليلة من الكهرباء، أو بعودة مسافر، أو بلقاء صديق، أو بهدف في مباراة كرة القدم. أشياء قد تبدو عادية جداً في أماكن أخرى من العالم، لكنها عند اليمنيين تتحول إلى مناسبات تستحق أن تُحفظ في الذاكرة.
لقد أخذت الحرب من اليمنيين أشياء كثيرة؛ أخذت من البيوت طمأنينتها، ومن المدن هدوءها، ومن الأطفال طفولتهم، ومن الآباء والأمهات كثيراً من الأحلام التي كانوا يتمنون أن يروا أبناءهم يعيشونها. لكنها، رغم كل ذلك، لم تستطع أن تنتزع من اليمني قلبه الذي يبحث عن لحظة فرح.
ولهذا، عندما جاء الفوز، لم يكن الناس يحتفلون بالنتيجة وحدها، كانوا يحتفلون بأنهم ما زالوا قادرين على الفرح. كانوا يحتفلون بالعلم اليمني وهو يرتفع، وبالنشيد وهو يُسمع، وباسم اليمن وهو يُردد، وبذلك الشعور النادر الذي يجعل ملايين اليمنيين، رغم المسافات والخلافات والجراح، يلتقون لحظة واحدة تحت اسم واحد هو اليمن.
وهنا تكمن الحكاية التي لا تستطيع لوحة النتائج أن تشرحها. هذه الطفلة لم تكن بحاجة إلى خطاب سياسي كي تقول إنها تحب وطنها، ولم تكن بحاجة إلى قصيدة طويلة كي تثبت أن اليمن يسكن قلبها؛ كانت دموعها كافية. دمعة واحدة من عيني طفلة في مدرجات ملعب قالت ما عجزت عن قوله آلاف الخطب وأرباب السياسة. قالت إن اليمني لا يحتاج كثيراً كي يفرح، لأنه تعلّم أن يصنع فرحته من أصغر الأشياء. وقال وجهها إن وراء هذه الضحكة اليمنية شعباً طويلاً مع الحزن، وقال بكاؤها إن هناك وطناً ما زال أبناؤه -رغم كل شيء- يحبونه كما لو أن شيئاً لم يحدث.
يا أهل اليمن، لا تسخروا من دموعها، ولا تقولوا إنها تبكي بسبب مباراة؛ إنها لا تبكي مباراة، إنها تبكي وطناً غادرته البسمة منذ سنوات، وحين عادت إليه ولو لساعات لم تعرف كيف تستقبلها إلا بالدموع. نحن شعبٌ دموعه في جيبه مثل جواز سفره، يخرجها عند الحزن، ويخرجها عند الفرح، وعند الفقد، وعند اللقاء، وعند سماع النشيد، وعند رؤية العلم، وعند سماع اسم اليمن في مكان بعيد. نبكي عندما نخسر ونبكي عندما ننتصر، نبكي حين نودّع وحين نلتقي؛ نبكي لأن الحزن أصبح جزءاً من ذاكرتنا، ولأن الفرح حين يأتي بعد غياب طويل يكون ثقيلاً على القلب، فلا يعرف كيف يستقبله إلا بالبكاء.
وإلى أشقائنا في الخليج، الذين شاهدوا هذه الصورة ربما من زاوية مختلفة، أقول: لا تنظروا إلى دموع هذه الطفلة باعتبارها مجرد لقطة عابرة من مباراة. خلف هذه الدموع حكاية شعب عربي أصيل عاش سنوات قاسية، لكنه لم يفقد قدرته على الحب، ولم يفقد انتماءه، ولم يفقد حلمه بأن يأتي يومٌ يستطيع فيه أطفاله أن يفرحوا دون خوف، وأن يذهبوا إلى الملاعب لا ليهربوا من الحزن، بل لأن الحياة أصبحت جميلة بما يكفي للاحتفال بها. وفي تلك اللحظة، لم يكن هناك يمن شمال ويمن جنوب، ولا مدينة وأخرى، ولا منطقة وأخرى؛ كان هناك يمن واحد يصفق، ويهتف، ويبكي، ويبتسم.
ولهذا، ربما كانت أجمل صورة في تلك الليلة ليست صورة النتيجة، ولا عدد الأهداف، ولا صخب المدرجات؛ كانت صورة طفلة يمنية ترفع يدها ودموعها تنزل على وجهها، وكأنها تقول للعالم كله: نحن اليمنيين ما زلنا هنا، ما زلنا نحب اليمن، وما زلنا قادرين على الفرح.
فيا له من شعبٍ عظيم! شعبٌ يستطيع أن يلتقط لحظة فرح صغيرة من بين أنقاض سنوات طويلة من الألم، ثم يحتضنها بكل قلبه، ويبكي خوفاً من أن تنتهي سريعاً. هذه الطفلة لا تبكي مباراة، هذه الطفلة تبكي وطناً، وتلك الدموع ليست ضعفاً؛ إنها واحدة من أجمل صور الوطنية التي يمكن أن يراها العالم.