لم تكن مأساة اليمن في انقلاب جماعة الحوثي على الدولة مجرد أزمة سياسية عابرة، أو صراع على السلطة والنفوذ.....
بل هي امتداد لمشروع فكري وسياسي يسعى إلى إعادة إنتاج الإمامة، وإحياء منظومة الحكم السلالي التي أسقطها اليمنيون بثورتهم المجيدة في السادس والعشرين من سبتمبر 1962م.
غير أن خطورة هذا المشروع لا تتوقف عند حدود اغتصاب السلطة، بل تتجاوزها إلى محاولة إعادة تشكيل المجتمع، والسيطرة على عقول الأجيال، وفرض رؤية أحادية للدين والحكم والهوية الوطنية.
لقد استطاعت جماعة الحوثي مستغلة الأوضاع السياسية والاقتصادية المضطربة...
أن تنتقل من حركة ذات طابع ديني إلى قوة عسكرية متمردة على الدولة، وأن تفرض واقعًا سياسيًا بقوة السلاح مستندة إلى خطاب أيديولوجي يمنحها وفق تصورها حقًا استثنائيًا في الحكم ويضعها في مرتبة تتجاوز مبدأ المواطنة المتساوية وإرادة الشعب .
إن أخطر ما ارتكبته جماعة الحوثي ليس مجرد الاختلاف مع السلطة أو معارضة سياساتها.....
وإنما الخروج المسلح على الدولة، والاستيلاء على مؤسساتها، وفرض إرادتها على الشعب بالقوة، وتعطيل النظام الدستوري، وما ترتب على ذلك من سفك للدماء وتشريد للملايين وتدمير لمقدرات الوطن.
ومن المنظور الشرعي :
فإن القرآن الكريم لم يترك مسألة الاقتتال بين المسلمين دون ضوابط وأحكام، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9].
وقد استدل الفقهاء بهذه الآية على مشروعية قتال الفئة الباغية، إذا تحقق بغيها وامتناعها عن الرجوع إلى الحق، وبعد استنفاد وسائل الإصلاح الممكنة.
فالقتال في هذه الحالة ليس انتقامًا، ولا تشفيًا، ولا حربًا على الهوية، وإنما إجراء لردع العدوان وإعادة الحق وإيقاف البغي.
وفي ضوء هذه القاعدة الشرعية....
فإن الانقلاب المسلح على الدولة وما يصاحبه من اعتداء على مؤسساتها وحقوق المواطنين.... يمثل منكرًا جسيمًا يستوجب مقاومته بكل الوسائل المشروعة.
لذلك فإن مقاومة الانقلاب الحوثي وفق هذا الفهم...
هو دفاع عن الدولة والجمهورية، واستعادة لحق اليمنيين في حكم أنفسهم، وليست حربًا على مذهب أو طائفة، ولا صراعًا لتصفية الحسابات التاريخية.
وإذا كان السلاح الحوثي قد استولى على مؤسسات الدولة، فإن الفكر الذي تحمله الجماعة يسعى إلى الاستيلاء على مستقبل اليمن نفسه....
وهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ فاحتلال المدن قد ينتهي، واستعادة المؤسسات قد تتحقق، لكن السيطرة على العقول إذا ترسخت في نفوس الأجيال......قد تظل آثارها ممتدة لعقود.
إن خطورة الفكر الحوثي على الأجيال الناشئة تتجلى في ثلاثة مستويات مترابطة:
( عقدي، وفكري، وسلوكي)
تتضافر جميعها لصناعة شخصية ترى في الولاء للجماعة أولوية تتقدم على الولاء للوطن، وفي الطاعة لقيادتها معيارًا للانتماء، وفي الاختلاف معها مبررًا للخصومة.
فعلى المستوى العقدي :
تكمن الخطورة في توظيف بعض التصورات المذهبية لتقديم رؤية أحادية للدين، وإحياء الخلافات التاريخية، وإقحام قضايا الإمامة والولاية في تشكيل الوعي الديني للناشئة بما قد يؤدي إلى إضعاف قيم الأخوة الإسلامية، وإثارة النزاعات المذهبية، وإشغال الأجيال بقضايا الخلاف بدلًا من ترسيخ أصول الإيمان ومقاصد الشريعة وقيم العدل والتسامح.
أما على المستوى الفكري:
فإن الخطر يتجلى في تكريس ثقافة الطاعة المطلقة، وإضعاف التفكير النقدي، وتقديم الجماعة باعتبارها المرجعية الوحيدة للحقيقة، وتصوير تاريخ اليمن الجمهوري وكأنه مرحلة ينبغي تجاوزها، لا تجربة وطنية لها تضحياتها ومكتسباتها.
أما على المستوى السلوكي:
فإن أخطر نتائج هذا الفكر تتمثل في تطبيع العنف في وعي الأطفال والشباب، وتقديم القوة باعتبارها وسيلة مشروعة لفرض الرأي، وربط التضحية والبطولة بالولاء للجماعة، بدلًا من ربطهما بخدمة الوطن والدفاع عن كرامة الإنسان.
ولعل أخطر أدوات هذا المشروع وأكثرها تأثيرًا في المستقبل..... هي المناهج الدراسية التي تخضع للتغيير والتوظيف الأيديولوجي.
فالمدرسة ليست مجرد مكان لتعليم القراءة والكتابة والعلوم، وإنما هي المؤسسة التي تتشكل فيها شخصية الإنسان، وتتكون من خلالها نظرته إلى الدين والوطن والمجتمع.
فالطفل الذي يتعلم أن الانتماء إلى جماعة بعينها يمنحه منزلة استثنائية، وأن الولاء السياسي جزء من العقيدة، قد يكبر وهو يحمل تصورًا مشوهًا عن المواطنة والعدالة والمساواة.
وإذا كانت المعارك العسكرية تحسم السيطرة على الأرض، فإن معركة المناهج تحسم إلى حد بعيد طبيعة المجتمع الذي ستؤول إليه تلك الأرض.
ولهذا فإن مواجهة الفكر الحوثي لا يمكن أن تقتصر على الميدان العسكري، بل ينبغي أن تمتد إلى المدرسة والجامعة والمنبر الثقافي والإعلامي، من خلال مشروع وطني يعيد الاعتبار للعلم والعقل والمواطنة.
إن جوهر الصراع مع المشروع الحوثي ليس خلافًا مذهبيًا، وإنما صراع بين مفهومين للحكم والدولة: ( مفهوم يقوم على المواطنة المتساوية وحق الشعب في اختيار حكامه) ( ومفهوم يمنح جماعة بعينها امتيازًا في السلطة ويجعل النسب أو الانتماء أساسًا للاستحقاق السياسي)
وهذه هي المفارقة التاريخية التي ينبغي ألا يغفل عنها اليمنيون.
فقد قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر لإسقاط نظام الإمامة، وإنهاء احتكار الحكم، وفتح الطريق أمام دولة الجمهورية والمواطنة.
واليوم يجد اليمنيون أنفسهم أمام مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج بعض الأسس السياسية لذلك النظام وإن اختلفت الشعارات والوسائل.
ومن هنا:
فإن استعادة الدولة ليست مجرد استعادة لمبانٍ ومؤسسات، وإنما استعادة لمفهوم الدولة ذاته، بوصفها كيانًا وطنيًا جامعًا لا يعلو فيه أحد على القانون، ولا يتمتع فيه أحد بحقوق سياسية استثنائية بسبب نسبه أو مذهبه.