آخر تحديث :الخميس-01 أكتوبر 2026-01:36ص

التعبئة العامة في اليمن.. من القرار إلى اللائحة الوطنية الضابطة

الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 - الساعة 02:58 م
احمد سالم فضل


أثار إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي الدعوة إلى التعبئة العامة والنفير الوطني اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية اليمنية، باعتباره قراراً استثنائياً يأتي في ظل ظروف عسكرية وسياسية بالغة الحساسية.

وكان رئيس مجلس القيادة قد دعا في 25 سبتمبر أبناء الشعب اليمني إلى التعبئة العامة والنفير الوطني والالتفاف حول القوات المسلحة والأمن، والالتحاق بصفوفها عبر القنوات الرسمية والمساهمة في الدفاع عن الجمهورية ومؤسسات الدولة.

ثم عقد مجلس النواب اجتماعاً موسعاً في 28 سبتمبر لمناقشة مذكرة رئيس مجلس القيادة بشأن طلب الموافقة على إعلان التعبئة العامة، في إطار مواجهة التصعيد الحوثي وحماية المواطنين والدفاع عن النظام الجمهوري والشرعية الدستورية وسيادة الدولة وسلامة أراضيها.

وبعيداً عن الموقف السياسي من القرار، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحظى بالاهتمام هو: كيف ستُنفذ التعبئة العامة؟ ومن سيضع ضوابطها؟ وكيف نضمن ألا تتحول حالة الاستثناء إلى باب للفوضى أو المحسوبية أو استغلال المال العام؟

التعبئة العامة ليست مجرد شعار

ينبغي التوقف عند الجانب القانوني للموضوع.

فقانون الاحتياط العام رقم (23) لسنة 1990 يعرف التعبئة العامة بأنها تهيئة جميع موارد البلاد المادية والبشرية والمعنوية وإعدادها للانتقال من الحالة السلمية إلى حالة الحرب.

كما نظم القانون الاحتياط البشري والمادي، وحدد موارد يمكن استخدامها عند إعلان التعبئة، من بينها وسائل النقل والاتصالات والمطارات والموانئ ومحطات الوقود والمستشفيات والمنشآت الصحية وغيرها. كما نص على تعويض أصحاب المعدات الخاصة التي يتم استخدامها، وعلى إعادة ما تم تسليمه بعد انتهاء الحرب أو التعبئة العامة.

وهذا يعني أن التعبئة العامة ليست مجرد دعوة معنوية للمواطنين، وإنما منظومة قانونية لها آثار على الدولة والمجتمع والاقتصاد والموارد العامة والخاصة.

ومن هنا تأتي ضرورة إصدار لائحة تنفيذية واضحة ومعلنة للرأي العام تنظم الإجراءات والاختصاصات وآليات التنفيذ.

نحتاج إلى لائحة لاجتهادات المسؤولين

إن الظروف الاستثنائية لا تلغي القانون، بل تجعل الحاجة إليه أكبر.

ولهذا نرى أهمية أن تعمل الحكومة والجهات المختصة على إعداد لائحة تنفيذية للتعبئة العامة، تحدد بصورة دقيقة:

أهداف التعبئة ونطاقها الزمني والجغرافي.

الجهات المسؤولة عن تنفيذها.

آليات استدعاء الاحتياط البشري.

كيفية حصر وتسجيل الموارد المادية.

آليات استخدام الممتلكات والموارد الخاصة.

حقوق أصحاب الممتلكات والتعويضات المستحقة لهم.

مسؤوليات الوزارات والسلطات المحلية.

مصادر التمويل وآليات الإنفاق.

إجراءات الرقابة والمحاسبة.

آلية إنهاء التعبئة وإعادة الموارد والممتلكات.

فلا ينبغي أن تترك هذه القضايا لاجتهادات المسؤولين أو القرارات الفردية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمال العام وحقوق المواطنين والممتلكات الخاصة.

التعبئة مسؤولية وطنية وليست حزبية

التعبئة العامة، في تقديري، ينبغي أن تكون تعبئة وطنية شاملة، لا أن تتحول إلى ملف تديره مجموعة سياسية أو حزبية محددة.

ولهذا من المهم إشراك مختلف القوى والمكونات السياسية الوطنية، ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات الاجتماعية، والقيادات المحلية، والنقابات والاتحادات، والقطاع الخاص، وأصحاب الخبرات والكفاءات، كل في المجال الذي يستطيع الإسهام فيه.

ولا يعني ذلك منح القوى السياسية المدنية صلاحيات عسكرية، وإنما إشراكها في الجوانب الوطنية والمجتمعية والاقتصادية والإغاثية والإعلامية واللوجستية ذات الصلة بالتعبئة.

فكلما اتسعت دائرة المشاركة الوطنية، ازدادت الثقة المجتمعية في الإجراءات المتخذة.

لا للتعيينات على أساس الولاء

ومن أهم الضوابط التي ينبغي أن تتضمنها اللائحة معايير اختيار المسؤولين عن تنفيذ التعبئة.

فالتعبئة العامة تحتاج إلى أشخاص يمتلكون الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على إدارة الموارد في ظروف استثنائية.

ولا ينبغي أن تتحول التعبئة إلى فرصة لإعادة توزيع المناصب والمواقع على أساس الولاءات السياسية أو العلاقات الشخصية.

كما ينبغي ألا تسند مسؤولية إدارة الموارد المالية أو اللوجستية أو المرافق الحيوية إلى أشخاص ثبت بحقهم فساد مالي أو إداري، أو تحيط بهم قضايا موثقة تتعلق باستغلال الوظيفة العامة.

وهنا لا نتحدث عن إقصاء سياسي، وإنما عن معيار مهني وقانوني يجب أن ينطبق على الجميع.

التعبئة لا تعني غياب الرقابة

قد يقول البعض إن البلاد في حالة حرب، وبالتالي فإن الظروف لا تسمح بالرقابة والمساءلة.

وهذا منطق ينبغي الحذر منه.

فالظروف الاستثنائية هي التي تجعل الرقابة أكثر ضرورة، لأن حجم الأموال والموارد التي يمكن أن تدخل في المجهود الحربي سيكون كبيراً، وأي فساد فيها لا يضر بالخزينة العامة فقط، بل يضر مباشرة بقدرة الدولة على مواجهة التحديات.

ولهذا يجب أن تكون هناك آلية واضحة للرقابة المالية والإدارية، مع استمرار دور الجهات الرقابية والقضائية والبرلمانية وفقاً للقانون.

كما يجب أن تخضع الأموال التي تجمع أو تخصص للتعبئة لسجلات وحسابات واضحة، وأن تكون عمليات الصرف والتوريد قابلة للمراجعة والتدقيق.

حماية المال العام والملكية الخاصة

من المهم أيضاً التأكيد أن التعبئة العامة لا تعني إباحة الممتلكات العامة والخاصة.

فقانون الاحتياط العام نفسه نظم استخدام بعض الموارد الخاصة، ونص على استحقاق أصحاب المعدات الخاصة أجوراً عادلة وتعويضاً عادلاً في حالات الإتلاف أو العطل.

وعليه، فإن أي استخدام للممتلكات الخاصة يجب أن يتم وفق الإجراءات القانونية، وبسجلات رسمية، مع حفظ حقوق أصحابها.

وهذه نقطة مهمة لبناء الثقة بين المواطن والدولة.

المطلوب تعبئة الدولة لا إنهاك المواطن

التعبئة الوطنية الحقيقية لا تعني فقط حشد الرجال والسلاح، وإنما تعني أيضاً رفع قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد والخدمات والمؤسسات.

فالمستشفيات، والكهرباء، والمياه، والنقل، والاتصالات، والموانئ، والمطارات، والوقود، وسلاسل الإمداد الغذائي والدوائي، كلها قطاعات ترتبط بقدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية.

ولهذا ينبغي أن تكون هناك خطة متكاملة للتعبئة الاقتصادية والخدمية إلى جانب الجانب العسكري.

نحو ميثاق وطني للتعبئة

ولذلك فإنني أقترح أن يرافق اللائحة التنفيذية ميثاق وطني للتعبئة العامة يلتزم بموجبه المشاركون في تنفيذها بمبادئ أساسية، أهمها:

القانون، والشفافية، والنزاهة، والكفاءة، وعدم التمييز، وحماية المال العام، واحترام الملكية الخاصة، والمساءلة، والمشاركة الوطنية.

كما يمكن تشكيل لجان وطنية ومحلية استشارية تضم ممثلين عن الدولة والقوى السياسية والمجتمع المدني والشخصيات الاجتماعية والخبرات الاقتصادية والقانونية، بما يساعد على توسيع دائرة المشاركة والرقابة المجتمعية.

الخلاصة

إن قرار التعبئة العامة، إذا أريد له أن يؤدي وظيفته الوطنية، يجب ألا يبقى مجرد إعلان سياسي أو شعار تعبوي.

إنه قرار له أبعاد قانونية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وإدارية، ولذلك فإن نجاحه يحتاج إلى قواعد واضحة وإدارة كفؤة ورقابة صارمة ومشاركة وطنية واسعة.

ومن هنا ندعو مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ومجلس النواب والجهات المختصة إلى الإسراع في استكمال الإطار التنفيذي للتعبئة العامة، وإصدار لائحة واضحة تحدد الصلاحيات والموارد والالتزامات والحقوق وآليات الرقابة.

كما ندعو إلى إشراك القوى والمكونات السياسية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الاجتماعية والوطنية في الإجراءات التنفيذية، على أساس الكفاءة والنزاهة والمصلحة الوطنية.

فالمرحلة الاستثنائية تحتاج إلى تعبئة وطنية حقيقية، والتعبئة الوطنية لا تنجح بالفوضى ولا بالمحسوبية، وإنما بالقانون والكفاءة والشفافية وثقة المواطن بالدولة.

هذه الصياغة تجعل المقال دعوة إلى تنظيم القرار لا اعتراضاً عليه، وتربط المطالبة باللائحة مباشرة بنصوص قانون الاحتياط العام، خصوصاً المواد المتعلقة بالاحتياط البشري والمادي، والتعويض، وتحويل بعض المرافق إلى نظام المجهود الحربي.