ليست العلاقة بين الرياض وأبوظبي مجرد تحالف سياسي عابر، بل هي علاقة تاريخية ضاربة في الجذور، بناها زايد وفيصل على أساس المصير المشترك، ورسخها خليفة وعبدالله، وتوجها محمد بن زايد ومحمد بن سلمان كأقوى تحالف استراتيجي عرفه الخليج العربي في العصر الحديث.
في عام 2015، عندما انطلقت عاصفة الحزم، دخلت الإمارات إلى جانب السعودية، مقدمة الدم والمال والموقف، في نموذج لم يشهد له التاريخ الخليجي مثيلاً. ورغم ما شهدته السنوات الأخيرة من تباين في وجهات النظر حول بعض الملفات، خصوصاً في اليمن وملف النفط، إلا أن جوهر التحالف لم ينكسر.
لماذا العودة اليوم أصبحت ضرورة وليست خياراً ... ؟
نحن أمام منطقة مشتعلة على كل الجبهات: حرب غزة التي أعادت خلط كل الأوراق، التصعيد في البحر الأحمر، الملف اليمني الذي يبحث عن حل نهائي، تنافس القوى الدولية على الخليج، ومشاريع اقتصادية عملاقة كـ نيوم والرؤية الإماراتية 2071 التي تحتاج إلى استقرار إقليمي لتتحقق.
لا يمكن للسعودية أن تقود المنطقة دون الإمارات، ولا يمكن للإمارات أن تحلق دون العمق السعودي. أي شرخ بينهما هو فراغ ستملأه قوى أخرى معادية للاثنين معاً.
وهنا تبرز رؤية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان 2030 كإطار حاكم لهذه العودة. فالرؤية لا تقوم على منطق التنافس الضيق مع الإمارات، بل على منطق التكامل، حيث تصبح الرياض وأبوظبي قطبي اقتصاد جديد يقوم على التكنولوجيا والطاقة واللوجستيات، بدلاً من اقتصاد النفط وحده. ومشاريع مثل نيوم وذا لاين لا يمكن أن تنجح في فراغ أمني، وهي تحتاج إلى ظهير إماراتي قوي، كما أن الموانئ والاستثمارات الإماراتية تحتاج إلى عمق سعودي لتعبر إلى العالم.
#التأثير_على_ثلاثة_مستويات:
#أولا، خليجياً: عودة الانسجام السعودي الإماراتي تعني عودة الروح لمجلس التعاون الخليجي. فبدونهما يتحول المجلس إلى جسد بلا رأس. عودتهما تعني استقرار أسواق النفط، وتوحيد الموقف تجاه إيران، وإنهاء حالة الاستقطاب داخل البيت الخليجي.
#ثانيا، عربياً: الرياض وأبوظبي هما صمام أمان الأمن القومي العربي. عندما تتفقان، تتوقف الكثير من الحروب بالوكالة، ويتم تحجيم دور جماعات الإسلام السياسي، ويُعاد الاعتبار للدولة الوطنية العربية في السودان وليبيا وسوريا واليمن.
#ثالثا، إقليمياً ودولياً: العالم لا يحترم إلا التكتلات القوية. تحالف سعودي إماراتي موحد يعني قوة تفاوضية هائلة أمام واشنطن وبكين وموسكو، وقدرة على فرض حلول جذرية في اليمن وغزة بدلاً من انتظار أنصاف الحلول المستوردة.
#الخلاصة:
ما كان يُروّج له عن قطيعة أبدية بين الرياض وأبوظبي، لم يكن سوى أمنيات. التاريخ يقول إن البلدين يختلفان أحياناً، لكنهما لا يفترقان أبداً.
عودة العلاقات ليست مصالحة، بل هي تصحيح لمسار إجباري فرضته الجغرافيا والتاريخ والمصالح، وترجمته رؤية محمد بن سلمان التي ترى في قوة الإمارات قوة للسعودية، وفي استقرار السعودية ضمانة لمستقبل الإمارات.
وجدي السعدي