لم يعد السؤال اليوم ماذا يفعل الحوثيون في باب المندب؟ بل إلى أين يمكن أن يصل خطرهم إذا استمر بقاؤهم هناك؟
هذه هي الحقيقة التي ينبغي ألا تُحجب خلف ضجيج الملفات السياسية والعسكرية الأخرى. فوجود مليشيات الحوثي في المخا والسواحل والجزر المطلة على البحر الأحمر يضع واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم أمام واقع أمني بالغ الحساسية.
فالسيطرة على الساحل الغربي تعني أكثر من السيطرة على شريط جغرافي، إنها تعني الاقتراب من حركة الملاحة، وتوفير مساحة أوسع لمراقبة السفن، وفتح مسارات أكبر لتحرك شبكات الإمداد والتهريب واستقبال المعدات العسكرية والتقنية وإخفائها وإعادة توزيعها.
والخطر لا يكمن فقط في وصول الأسلحة، بل في الوقت الذي تمنحه هذه البيئة لبناء قدرات جديدة واستقبال زتطوير منظومات أكثر تعقيداً،
لقد علّمتنا التجربة اليمنية أن تجميد الصراع لا يعني بالضرورة تجميد قدرات الأطراف، ففي كثير من الأحيان تكون سياسة الانتظار فرصة لإعادة ترتيب الصفوف وتعزيز الإمكانات وبناء قدرات وشبكات يصعب تفكيكها لاحقاً، وإتفاق ستوكهولم التامري بشأن الحديدة 2018م أكبر دليل على ذلك.
ولهذا فإن ترك باب المندب والمخا والسواحل والجزر تحت نفوذ المليشا الحوثية وادارة واشراف الحرس الثورى الايراني لفترة أطول يحمل مخاطر تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، ويمتد إلى أمن اليمن ودول الجوار وحركة التجارة الدولية.
باب المندب ليس ورقة تفاوض، وليس مساحة يمكن تركها رهينة للوقت.
إن أي توسع في شبكات تهريب السلاح أو المعدات والتقنيات ذات الاستخدام العسكري، وأي قدرة إضافية على مراقبة الملاحة وتهديدها، سيجعل تكلفة احتواء الخطر أكبر في المستقبل.
والمطلوب اليوم ليس الاكتفاء برصد الخطر بعد وقوعه، وإنما الاسراع في بناء منظومة رقابة بحرية فعالة، وتشديد مكافحة التهريب، وتعزيز قدرات خفر السواحل، وحماية الممرات البحرية، ودعم مؤسسات الدولة الشرعية في استعادة السيطرة على المنافذ والمياه الإقليمية.
فالوقت هنا ليس تفصيلاً ثانوياً.
وكلما طال بقاء المليشيات في هذه المواقع، ازدادت فرص ترسيخ واقع جديد على الأرض والبحر، وأصبح تغييره أكثر صعوبة.
إن أمن باب المندب لا يحتمل سياسة الانتظار، ولا يحتمل أن يتحول الخطر إلى أمر واقع ثم يبدأ البحث عن وسائل احتوائه.