التهميش في وطننا عادة دخيلة، لكن حين يتكرر ويعاد في أزمنة مختلفة، فنحن أمام مشكلة تتجاوز الأشخاص إلى إفلاس أخلاقي في المقام الأول، ومسؤولية في المقام الثاني.
اليوم أتحدث عن شخصية كنا نتمنى أن نراها في موقع يليق بها، لا مجاملة ولا بحثا عن منصب، وإنما لأن عدن بحاجة إلى أن ترى أبناءها الحقيقيين في مواقع العمل والعطاء.
أنا أعرف هذا الرجل منذ سنوات طويلة زميل طفولة وصديقا شهما، وكما هي عادة أبناء عدن الأصيلين: بساطة في التعامل، وأصالة في المواقف، وثقافة حقيقية بلا استعراض.
دعوني أسألكم عن عبدالرحمن سعيد فارع، ابن جولدمور وأحد أبناء عدن الذين يعرفون معنى الانتماء لهذه المدينة.
اسألوا من عرفه عن قرب، وستسمعون كلاما متقاربا: دماثة أخلاق، علم، دين، تواضع.
عبدالرحمن حافظ لكتاب الله، ومن يعرف جولدمور ومساجدها يعرفه جيدا، فقد عرفه الناس إماما في مسجد الرحمن وغيره من مساجد عدن خلال شهر رمضان، بصوت جهوري شجي وحضور هادئ لا يحتاج إلى ضجيج حتى يترك أثره.
وهو كذلك ابن أسرة علمية ومثقفة، انعكس ذلك على شخصيته ومساره. ومنذ شبابه انخرط في العمل التطوعي والشأن العام، ثم عرفه الناس في تجربة حكومة الشباب، قبل أن تتسع تجربته في العمل العام والدبلوماسي والإعلامي.
أما علميا، فالرجل لم يكتف بالكلام عن العلم، ذهب إليه وتعب عليه.
بدأ من عدن، ثم حصل على دبلوم في الدراسات الدبلوماسية، وانتقل إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، حيث درس العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ثم حصل على الماجستير في الدراسات الدولية والاستراتيجية والأمنية، وهو اليوم يواصل مساره في مرحلة الدكتوراه باحثا متخصصا في الدراسات الدولية.
ولم يتوقف الأمر عند الجامعة. خاض تجارب في مراكز الدراسات، والمنظمات الدولية، والاتحادات الشبابية، والعمل الإعلامي، حتى وصل إلى تجربة مهنية لافتة في الإعلام المغربي، وعمل في التلفزيون المغربي الرسمي، إلى جانب تجارب أخرى في المؤسسات الإعلامية.
والأهم من كل ذلك؟
أنك عندما تجلس مع عبدالرحمن لا تشعر أنك أمام شاب جاء ليقول لك: "أنا فعلت وأنا عملت وأنا درست".
بل تشعر أنك أمام عدني يعرف من أين جاء، وماذا يريد، ويحمل معه شيئا من روح عدن القديمة: الأدب قبل المنصب، والمعرفة قبل الادعاء، والاحترام قبل المطالبة بالاحترام.
وهنا أصل إلى ما أريد قوله.
أنا لا أكتب هذا الكلام لأن عبدالرحمن صديقي، ولا لأنني أبحث له عن منصب.
أكتبه من باب الإنصاف.
لأننا نرى اليوم التهافت على المواقع والمناصب، ونرى أحيانا كيف تفتح الأبواب لمن يجيدون الوصول إليها، بينما يبقى آخرون، ممن بنوا أنفسهم بالعلم والعمل والخبرة، واقفين خارج الباب ينتظرون أن يتذكرهم أحد.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا:
هل نريد فعلا بناء دولة ومؤسسات، أم نريد فقط إعادة تدوير الأسماء؟
عبدالرحمن ليس بحاجة إلى شهادة مني، ولا أظن أن منشورا على وسائل التواصل سيصنع له مستقبله.
لكنني أقولها كما عرفته وكما يعرفه كثيرون من أبناء عدن:
هذا شاب يستحق أن يرى، وأن يسمع، وأن يمنح فرصة حقيقية لخدمة وطنه.
والحديث هنا ليس عن عبدالرحمن وحده، بل عن جيل كامل من أبناء عدن واليمن، تعلموا، وتخصصوا، وخاضوا تجارب مختلفة، ثم وجدوا أنفسهم في آخر الصف عندما بدأت عملية توزيع الفرص.
نحن لا نطلب محاباة لأحد.
نطلب فقط أن يكون المعيار هو الكفاءة، وأن يكون الانتماء للوطن قيمة لا تستخدم للإقصاء، وأن يعطى ابن عدن المثقف والأصيل والمواطن النبيل حقه في أن يخدم مدينته وبلده.
أما عبدالرحمن، فأقول له من باب الصداقة والزمالة:
استمر… فبعض الرجال تصنعهم المناصب، وبعض الرجال هم الذين يمنحون المناصب معناها.