مع انقضاء صيف عام 2026، وجد المسؤول نفسه يقف عاجز أمام تساؤلات الأبناء وشكاوى المواطنين، في مشهد لا يختلف كثيراً عما عانته مدينة عدن خلال عامي 2024 و2025. وبات الحديث المتكرر عن التراكمات وتأثيرات الصراع والفساد أسطوانة ملّها الشارع، ولا لغة التبرير قادرة على ستر واقعٍ بات مكشوف أمام الجميع.
فالحقيقة التي استقر عليها وجدان الناس، بعد عقد كامل من المعاناة، هي أن هذا القطاع الحيوي لن ينهض من كبوته من دون استقرار سياسي حقيقي، ورقابة صارمة، ووحدة في القرار، إلى جانب إشراك جاد للقطاع الخاص يخفف عنه أعباء الاحتكار والبيروقراطية.
ولا تبدو أزمة كهرباء عدن عصية على المعالجة فهناك حلول وتدخلات عاجلة يمكن أن تنقل واقع التوليد إلى مستوى أفضل خلال عام واحد، إذا توافرت الإرادة والتمويل الكافي.
وتتصدر هذه الخطوات استعادة توربينات المحطة القطرية، البالغة قدرتها 60 ميجاوات، وإعادتها إلى الخدمة، إلى جانب صيانة وتشغيل التوربين الصيني المماثل في القدرة. ويضاف إلى ذلك وضع حلول عاجلة لمحطة الرئيس لرفع إنتاجها إلى 220 ميجاوات، إما عبر تأمين إمدادات الوقود الكاملة، أو من خلال تحويلها إلى نظام الدورة المركبة.
وحين تُضاف هذه الطاقة إلى التوليد الحالي، فإن إجمالي القدرة سيرتفع إلى نحو 510 ميجاوات، وهو رقم يمكن أن يحدث فارقاً ملموساً، ويخفف حدة الأزمة، ويحسن ساعات التشغيل خلال فترة زمنية قصيرة.
أما على المدى القصير، فتبرز الحاجة الملحة إلى الإسراع بتركيب محطة توليد تقليدية بقدرة 100 ميجاوات في الحسوة، والبدء في المرحلة الثانية من توسعة المحطة الشمسية الإماراتية في العاصمة عدن، بطاقة إضافية تبلغ 120 ميجاوات، ليصل إجمالي القدرة المستهدفة إلى 240 ميجاوات.
والميزة الأهم في هذه المرحلة هي إضافة منظومة تخزين تتيح الاستفادة من الطاقة الشمسية خلال ساعات الليل، وهذا يعزز استقرار الشبكة ويرفع القيمة الفعلية للطاقة المنتجة، بدلاً من اقتصار الاستفادة منها على ساعات النهار مع ضرورة أن تتزامن هذه المشاريع مع توسعة شبكات التصريف لاستيعاب القدرات الجديدة.
ولا يتوقف الأمر عند عدن؛ فهناك خطط ومشاريع للطاقة الشمسية في أبين ولحج والضالع وحضرموت الساحل، وهي، إذا تحولت من الخطط إلى التنفيذ، يمكن أن تمثل خطوة مهمة نحو التوسع في الطاقة النظيفة وتنويع مصادر التوليد وتعزيز استقرار منظومة الكهرباء.
فالحلول المطروحة قابلة للتنفيذ وليست ضرباً من الخيال، وما تحتاجه هو قرار جاد ودعم إقليمي ودولي. وكل يوم يمر من دون تحرك عملي يقرّب عدن من صيف 2027 أكثر قسوة وخطورة من سابقيه.
ففي عام 2017، منحت دولة قطر مدينة عدن محطة كهرباء بقدرة 60 ميجاوات، كخطوة أولى ضمن مشروع متكامل بطاقة 280 ميجاوات. وصلت المحطة وبدأت العمل، وكان من المفترض أن تتلوها المراحل الأخرى ضمن منحة مجانية متكاملة.
لكن المحطة تعرضت لاحقاً للتعطيل وأُخرجت عن الخدمة، قبل أن يُقرر شحن التوربينين إلى هولندا لإجراء أعمال الصيانة، التي طال أمدها حتى مايو 2023.
ورغم وصول المعدات إلى الأراضي الهولندية، لم تتم إعادة المحطة إلى عدن، وظلت التوربينات حبيسة المهجر حتى اليوم، رغم أن عودتها إلى الخدمة يمكن أن تحدث فارقاً في واقع الكهرباء، بينما تواصل عدن مواجهة صيفٍ بعد آخر تحت وطأة الانقطاعات وحرارة القيظ.
واليوم، يتطلع الشارع ببريق أمل إلى تحرك عملي من الوزير الحالي، المهندس عدنان الكاف، لإعادة هذه المحطة إلى الخدمة، باعتبار أن قدرتها يمكن أن تحدث فارق في أزمة الكهرباء، من دون تكاليف إنشائية جديدة توازي قيمة إنشاء محطة مماثلة، وإنما عبر استعادة المعدات ونقلها وإعادة تشغيلها بالإضافة إلى المعالجات التي ذكرتها آنفاً.
وما زال في الوقت متسع لتتحرك القيادة والأشقاء، فإما قرار سياسي شجاع يضمد أوجاع الناس، أو خذلان إنساني مدوٍ يترك عدن وحدها تواجه محارق الصيف القادم.. فصيف 2027 القادم لن يغفر للأعذار.