ليس السؤال اليوم في اليمن: هل يتصاعد الميدان من جديد؟ فهذا التصعيد، بدرجات متفاوتة، حاضر في أكثر من جبهة.
السؤال الأهم، في تقديري، هو: هل يستطيع التقارب السعودي–الإماراتي أن يتحول إلى مدخل لإعادة ترتيب الملف اليمني، أم أن التصعيد الإقليمي سيطغى مرة أخرى على أي فرصة لمسار سياسي؟
هذا هو السؤال الذي يجعل لقاء وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مع نائب رئيس دولة الإمارات في الرياض ذا أهمية تتجاوز حدود اللقاء نفسه، خصوصاً أنه يأتي في توقيت تتقاطع فيه تطورات اليمن مع ملف باب المندب وأمن الملاحة والتوتر الإقليمي الأوسع.
لا يعني ذلك أن اللقاء سيقود تلقائياً إلى انفراجة يمنية، ولا يمكن الجزم مسبقاً بما ستتم مناقشته فيه، لكن توقيته يلفت الانتباه إلى احتمال أن يكون اليمن، إلى جانب الملفات الإقليمية الأخرى، جزءاً من الحسابات التي تستدعي مزيداً من التنسيق بين الرياض وأبوظبي.
المشهد اليمني نفسه يقدم أسباباً كافية لإعادة التفكير في المسار القائم، ففي تعز، تتحدث القوات الحكومية عن مواجهات وقصف وتحركات عسكرية حوثية في عدد من الجبهات، كما أعلنت، وفق روايتها، مقتل أربعة خبراء إيرانيين قالت إنهم يعملون في مجالي الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وهذه المعلومات، في غياب تأكيد مستقل، تبقى ضمن الرواية العسكرية للطرف الذي أعلنها،
وفي مأرب ولحج ومناطق أخرى، تتحدث التقارير عن ضربات وتحركات عسكرية متبادلة، بما يؤكد أن الهدوء النسبي الذي شهدته بعض الجبهات خلال مراحل سابقة لا يعني بالضرورة انتهاء عوامل الصراع.
لكن الأهم من تفاصيل كل جبهة هو السؤال الذي تطرحه هذه التطورات: هل ما يجري مجرد تصعيد عسكري محدود، أم أنه جزء من إعادة تشكيل أوسع للمشهد اليمني في ظل المتغيرات الإقليمية؟
وهنا تأتي أهمية الدور السعودي والإماراتي، فالسعودية والإمارات من أكثر الأطراف الإقليمية تأثيراً في المشهد اليمني، ولهما علاقات ونفوذ مع قوى يمنية متعددة.
ومن ثم فإن أي تقارب أو تنسيق بينهما يمكن أن تكون له انعكاسات على شكل المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا تجاوز التنسيق الأمني والعسكري إلى رؤية سياسية مشتركة.
ويزداد المشهد حساسية مع عودة باب المندب إلى واجهة الاهتمام، فالمضيق ليس مجرد جزء من الجغرافيا اليمنية؛ موقعه يجعله مرتبطاً بأمن البحر الأحمر وحركة التجارة والملاحة الدولية، ولهذا فإن أي توتر حوله يحمل منذ البداية بعداً يتجاوز حدود الحرب اليمنية.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات منسوبة إلى مستشار عسكري للمرشد الإيراني تحدث فيها عن سيطرة الحوثيين على المضيق، وربط ذلك بما وصفه بالهزيمة الكبرى للولايات المتحدة في المنطقة.
وهنا يجب التمييز بين الرسالة السياسية للتصريح وبين إثبات واقع ميداني على الأرض، فمجرد صدور التصريح لا يكفي لإثبات تغير في السيطرة على باب المندب.
لكن أهميته، في تقديري، تكمن في أنه يعكس الطريقة التي يمكن أن يتحول بها اليمن، وبالأخص باب المندب، إلى جزء من خطاب الصراع الإقليمي الأوسع.
وهنا يدخل العامل الأميركي باعتباره عاملاً مؤثراً في المعادلة، فواشنطن تنظر إلى أمن البحر الأحمر وباب المندب من زاوية الملاحة والتجارة والأمن الإقليمي، ولذلك فإن أي تهديد جدي للممرات البحرية يفرض نفسه على حساباتها.
ومن وجهة نظري، فإن هذا العامل قد يدفع الولايات المتحدة إلى التركيز على احتواء المخاطر المرتبطة بالملاحة ومنع توسع الصراع، لكنه لا يعني بالضرورة أن واشنطن ستتبنى مساراً سياسياً يمنياً بعينه.
وهنا تظهر أهمية التنسيق السعودي–الإماراتي مرة أخرى، فإذا كان التصعيد الإقليمي يضغط باتجاه مزيد من التوتر، فإن وجود تفاهم سعودي–إماراتي حول اليمن قد يوفر، نظرياً، مساحة أكبر لإدارة المخاطر والبحث عن مسار سياسي، بدلاً من ترك التطورات الميدانية تفرض مسارها وحدها.
أعتقد أن الأهم في المرحلة المقبلة ليس انتظار انفراجة فورية، وإنما مراقبة ما إذا كان هذا التنسيق سيتحول إلى خطوات عملية في الملف اليمني.
فقد تكون هناك فرصة لإعادة ترتيب الأولويات: تهدئة الجبهات، حماية الملاحة، دعم المسار السياسي، معالجة الملفات الاقتصادية والإنسانية، وتشجيع الأطراف اليمنية على الدخول في ترتيبات أكثر شمولاً.
وفي هذا السياق، قد تفرض التطورات المتسارعة تدارس خطوات أكثر حسماً خلال الأيام المقبلة، سواء على مستوى احتواء التصعيد، أو حماية الملاحة، أو دفع المسار السياسي.
لكن ذلك يظل مرتبطاً بما ستسفر عنه الاتصالات والمواقف الفعلية، وليس بمجرد التوقيت السياسي للقاء.
أما إذا بقيت التطورات اليمنية محكومة بالاستقطاب الإقليمي، فإن أي مسار سياسي سيظل معرضاً للاهتزاز كلما ارتفع مستوى التوتر بين القوى الإقليمية والدولية.
وفي تقديري، لا يمكن أن تنجح أي مقاربة جديدة إذا بقي اليمن مجرد ساحة لإدارة التنافس الإقليمي.
فأمن السعودية والإمارات، وأمن البحر الأحمر، ومصالح الولايات المتحدة، والهواجس الإيرانية، كلها عوامل حقيقية في المشهد، لكن ذلك لا يلغي أن هناك قضية يمنية داخلية تحتاج إلى معالجة سياسية.
ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن تنتجه اللحظة الحالية ليس مجرد تفاهم أمني جديد، وإنما إعادة تعريف للمشكلة اليمنية باعتبارها قضية سياسية وأمنية واقتصادية وإنسانية في آن واحد.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأوسع: هل تستطيع الرياض وأبوظبي تحويل لحظة القلق الإقليمي الحالية إلى فرصة لإعادة ترتيب الملف اليمني، أم أن باب المندب والتنافس الإقليمي سيعيدان اليمن مرة أخرى إلى دائرة التصعيد؟
ربما تكون الإجابة في الخطوات التي ستأتي خلال الأيام المقبلة، لا في اللقاء نفسه.