تروي الحكاية أن حمارًا ارتدى جلد أسد... فارتجفت له حيوانات الغابة، وتفرقت من حوله هربًا من بطشه.
وما إن رأى الخوف في عيونها حتى انتفخت أوداجه، وصدق أنه أصبح ملك الغابة...
فأخذ يستعرض قوته المستعارة، ويمارس سلطته الموهومة، وكأن ارتداء جلد الأسد قد منحه عقلًا وشجاعة وخصائص لم تكن فيه يومًا.
لكن الحمار كعادته لم يستطع مقاومة رغبته في النهيق! فأطلق صوته في غمرة الزهو، فإذا بحيوانات الغابة تكتشف الحقيقة المضحكة:
لم يكن أمامها أسد مخيف، بل حمارًا مغرورًا أخطأ في تقدير نفسه، وظن أن الجلد المستعار قادر على تغيير جوهره.
فما كان منها إلا أن نزعت عنه جلد الأسد، وأعادته إلى حجمه الطبيعي، بعد أن أشبعته ضربًا.
ولعل هذه الحكاية ليست مجرد طرفة من حكايات الغابة، بل صورة مكثفة لمشهد سياسي يتكرر في مجتمعات كثيرة ...
حيث يتصدر المشهد أشخاص لا يملكون من مقومات القيادة شيئًا، سوى مناصب أُسندت إليهم، أو قوة فُرضت على الآخرين، أو ولاءات صنعت حولهم هالة زائفة من العظمة.
والمثير للسخرية أن بعض هؤلاء لا يكتفون بارتداء جلود الأسود، بل يعتقدون أن الغابة بأسرها قد وُجدت لتصفق لهم!!!
يرفعون شعارات القوة وهم عاجزون عن إدارة شؤونهم، ويتحدثون عن الحكمة وهم أول من يفتقر إليها، ويتوعدون خصومهم بالقتل ، والتصفية ، والسجون ، والمعتلات بينما يعجزون عن تحقيق أبسط متطلبات الحياة لمن يحكمونهم.
إنهم أولئك الذين يظنون أن امتلاك السلاح يغني عن امتلاك العقل، وأن إخضاع الناس دليل على القيادة، وأن إسكات الأصوات المعارضة انتصار سياسي....
ولا يدركون أن السلطة التي لا تستند إلى الشرعية والكفاءة والقبول الشعبي تظل سلطة هشة، مهما أحاطت نفسها بالحراس، ومهما بالغت في استعراض القوة.
والأكثر طرافة أن بعضهم يتصرف وكأنه اكتشف سر الحكم، فيوزع صكوك الوطنية، ويحتكر الحقيقة، ويصنف الناس بين مؤيد وخائن، وكأن الوطن مزرعة خاصة ورثها عن أبيه، والشعب قطيع من الرعايا لا يحق له سوى الطاعة والتصفيق!!!
لكن المشكلة أن الحمار، مهما طال ارتداؤه جلد الأسد..... لن يتعلم الزئير، وأن النهيق مهما حاول صاحبه تغليفه بالشعارات والخطابات الرنانة، سيظل نهيقًا يكشف حقيقة صاحبه.
فالمظاهر قد تخدع الناس لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تصنع كفاءة مفقودة، ولا أن تمنح الجاهل حكمة، ولا أن تحول المتسلط إلى قائد.
وللتاريخ طريقته الخاصة في نزع الجلود المستعارة....
إذ لا توجد سلطة محصنة من تقلبات الزمن، ولا نفوذ أبدي، ولا بطش يستطيع إسكات الحقيقة إلى الأبد.
وحين تسقط الأقنعة :
يكتشف أصحاب الأوهام أن ما حسبوه مجدًا لم يكن سوى خوف مؤقت، وأن الذين كانوا يصفقون لهم لم يكونوا بالضرورة مؤمنين بعظمتهم، بل ربما كانوا ينتظرون اللحظة التي يستطيعون فيها مغادرة الغابة دون خوف.
ويا ليت كل من اغتر بمنصبه، أو استقوى بسلاحه، أو ظن أن الناس خُلقوا لخدمته، يتأمل هذه الحكاية جيدًا...
فليس كل من ارتدى جلد الأسد أسدًا، وليس كل من اعتلى كرسي الحكم قائدًا، وليس كل من أرهب الناس يستحق احترامهم.
فكم من حمار يتربع اليوم على عرش الغابة، وكم من أسد حقيقي يلتزم الصمت! وكم من ناهق يظن أن صوته زئير، حتى تأتي اللحظة التي يُنزع فيها الجلد، وتنكشف الحقيقة، ويعرف الجميع من كان الأسد، ومن كان الحمار!!!