آخر تحديث :الأربعاء-07 أكتوبر 2026-02:05ص

نتنياهو في الأمم المتحدة.. عندما تتكلم المقاعد الفارغة،،،

الأحد - 27 سبتمبر 2026 - الساعة 03:33 م
د. سعيد سالم الحرباجي


( غزة تُربك خطاب القوة الإسرائيلية وتكشف تحولات الموقف الدولي )

شهدت الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الخميس 24 سبتمبر 2026، مشهداً دبلوماسياً لافتاً عندما ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه أمام ممثلي الدول الأعضاء ، حيث غادر ممثلو أكثر من سبعين دولة مقاعدهم احتجاجاً على مجازر النتن ياهو في غزة...


إنٌ مغادرة ممثلي عشرات الدول قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يكن مجرد احتجاج دبلوماسي عابر ....

بل كان تعبيراً عن تحوّل لافت في المزاج الدولي تجاه إسرائيل، ورسالة سياسية تختزل حجم المأزق الذي أوجدته حرب غزة للحكومة الإسرائيلية.


فالرجل الذي اعتاد الوقوف على المنبر الأممي متسلحاً بغطرسة القوة، ومطمئناً إلى مظلة الحماية الدولية، وجد نفسه هذه المرة يخاطب مقاعد فارغة، في مشهد لم يكن مألوفاً بهذا الحجم.


وكأن العالم الذي طالما استمع إلى خطابه دون اعتراض مماثل، قرر أخيراً أن يمنحه درساً في لغة الاحتجاج، وأن يجيبه بالصمت أكثر مما تجيبه الكلمات.


ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن إسرائيل التي اعتادت تسويق أطماعها ومشروعاتها التوسعية، والتعامل مع الانتقادات الدولية باعتبارها ضجيجاً لا يستحق الالتفات.....

باتت اليوم تواجه عزلة دبلوماسية متنامية، بعدما كشفت حرب غزة عن الوجه الأكثر قسوة لسياساتها العسكرية، وأسقطت الكثير من الأقنعة التي احتمت بها طويلاً.


فإذا كان نتنياهو قد اعتاد أن يتحدث عن القوة والأمن، وأن يقدم إسرائيل باعتبارها دولة لا تُهزم، فإن مشهد الانسحاب الجماعي كشف أن القوة العسكرية لا تصنع بالضرورة شرعية سياسية، وأن امتلاك السلاح لا يمنح صاحبه حق تجاهل القانون الدولي أو الاستخفاف بضمير الإنسانية.


لقد كانت غزة بدمارها وأشلاء أطفالها ومآسي سكانها، نقطة تحول في صورة إسرائيل أمام العالم.

فالحرب التي أرادت بها الحكومة الإسرائيلية فرض معادلات جديدة، تحولت إلى عبء سياسي وأخلاقي ثقيل، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعد سنوات من محاولات تهميشها وإبقائها رهينة المفاوضات العقيمة.


وليس من قبيل المبالغة القول إن مغادرة وفود عشرات الدول قاعة الأمم المتحدة تمثل مؤشراً على اتساع دائرة الرفض الدولي للسياسات الإسرائيلية، وإن لم تكن دليلاً على انهيار التحالفات التي تحظى بها إسرائيل، أو تحول الاحتجاج إلى قرارات ملزمة.

فبين الموقف الدبلوماسي والإجراء العملي مسافة لا تزال الحكومات مطالبة بقطعها.


أما المقارنة بين مواقف الأمس ومشهد اليوم، فتطرح سؤالاً بالغ الدلالة: كيف استطاعت إسرائيل أن تتحدث طويلاً بلغة التفوق والأطماع، دون أن تواجه احتجاجاً مماثلاً، ثم تجد نفسها اليوم أمام مشهد دبلوماسي بهذا الحجم؟


لعل الإجابة تكمن في أن حرب غزة لم تغيّر طبيعة الخطاب الإسرائيلي بقدر ما كشفت للعالم حقيقة كلفته الإنسانية، وعرّت التناقض بين الشعارات التي ترفعها إسرائيل عن الديمقراطية واحترام القانون، وبين واقع الحرب الذي يراه العالم على شاشاته.


وفي المقابل : فإن هذا المشهد يمنح القضية الفلسطينية زخماً سياسياً ومعنوياً، ويؤكد أن محاولات طمسها لم تنجح في إخماد حضورها الدولي.


لكنه يضع المجتمع الدولي أيضاً أمام اختبار حقيقي؛ فليس كافياً أن تغادر الوفود القاعات احتجاجاً، بينما تستمر الحرب، وتتواصل معاناة المدنيين، وتظل القرارات الدولية حبيسة الأدراج.


إن المأساة الحقيقية ليست في أن يتحدث نتنياهو أمام مقاعد فارغة، بل في أن تظل المؤسسات الدولية عاجزة عن تحويل هذا الاحتجاج إلى خطوات فاعلة تحمي الفلسطينيين وتنهي معاناتهم.


لقد غادر المندوبون القاعة...

لكن السؤال بقي معلقاً في أروقة الأمم المتحدة: إلى متى ستظل العدالة الدولية أسيرة موازين القوة؟ وإلى متى سيظل الفلسطيني يدفع ثمن عجز العالم عن ترجمة مبادئه إلى أفعال؟


لقد استطاع نتنياهو أن يعتلي المنصة، لكنه لم يستطع أن يمنع العالم من مغادرة قاعته.

وتلك في حد ذاتها صورة تختصر مأزقاً سياسياً عميقاً: حين تعجز القوة عن إقناع العالم، تصبح المقاعد الفارغة أبلغ من الخطب، ويغدو الصمت الدبلوماسي احتجاجاً لا يمكن تجاهله.