في وعاءٍ صغير وضع رجلٌ مائة نملة سوداء ومائة نملة حمراء وتركها قليلًا .....
فإذا بها تتحرك في هدوء : لا خصومة، ولا صراع، ولا حرب.
كان اختلاف اللون قائمًا، لكنه لم يكن سببًا للعداوة.
فجأة مدَّ يده وهزَّ الوعاء!!!
اختلطت النملات، وسقط بعضها فوق بعض، واضطربت حركتها، وبدأت تتقاتل، كل واحدة تظن أن الأخرى هي مصدر الخطر.
أما الرجل الذي هزَّ الوعاء....
فكان يقف خارجه يراقب المشهد ويبتسم!!!
ولعل هذه الحكاية الصغيرة تختصر شيئًا كثيرًا من عالمنا الكبير.
كم من أوعية تهتز حولنا؟
وكم من أيادٍ تعبث بمشاعر الناس، وتحرّك العصبيات، وتوقظ الأحقاد، وتنفخ في رماد الكراهية، ثم تترك أبناء المجتمع الواحد يتقاتلون....
بينما تقف هي خارج دائرة النار!!!
في البيت قد تهتزُّ علاقة بكلمة.
وفي المجتمع قد يهتزُّ السلم الأهلي بإشاعة.
وفي الوطن قد يهتزُّ الاستقرار بخطابٍ يعيد الناس إلى مربعات العصبية والجهوية والمذهبية والمناطقية.
ثم يبدأ الجميع في البحث عن عدوٍّ قريب، وينسون اليد التي حرّكت المشهد من بعيد !!!
والأخطر من الحرب ذاتها أن يتحول الإنسان إلى أداة في يد من يشعلها؛؛
فيقاتل أخاه، ويخاصم جاره، ويهدم وطنه، وهو يظن أنه يدافع عن نفسه أو جماعته أو كرامته.
وهنا يأتي القرآن ليضع أمام الإنسان ميزانًا لا يخطئ:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
فالنزاع حين يتحول إلى كراهية، لا يستهلك الخصم وحده ....بل يستهلك الجميع.
والحرب التي تبدأ بشعار الدفاع عن الحق قد تنتهي بوطنٍ مثخن بالجراح، وأجيالٍ ورثت الخوف بدل الأمان، والخصومة بدل الأخوة.
ولذلك فإن من أخطر الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها الإنسان قبل أن يدخل خصومة، أو يحمل موقفًا عدائيًا، أو يصدق روايةً ضد أخيه:
عليه ان يسأل: من الذي يهزُّ الوعاء؟
من الذي جعلنا نرى بعضنا أعداء؟
من الذي أقنع أبناء الوطن الواحد أن اختلافهم في الرأي أو المنطقة أو الانتماء يجعل دماءهم أرخص من أن تُصان؟
ومن الذي يستفيد حين ينشغل الناس بقتال بعضهم بينما تتسع دائرة الخراب من حولهم؟
إن الوعي ليس أن تعرف من تكره فقط؛ بل أن تعرف من يدفعك إلى الكراهية، ولماذا؟
والإيمان ليس مجرد شعائر تؤدى، وإنما بصيرة تمنعك من أن تكون وقودًا لفتنة لا تعرف من أشعلها.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
ما أحوجنا اليوم إلى هذه الآية...
في زمنٍ تنتقل فيه الكلمة أسرع من النار...
قد تهدم رسالةٌ مجهولة المصدر علاقةً عمرها سنوات، وقد تشعل شائعةٌ مجتمعًا كاملًا، وقد تجعل روايةٌ ناقصة من الأخ أخًا للعدو، ومن الشريك في الوطن خصمًا يستحق الإقصاء.
وليس المطلوب أن نغلق أعيننا عن الظلم، أو أن نتخلى عن حقوقنا، وإنما المطلوب ألا نسمح لأحد أن يحوّل اختلافاتنا إلى محرقة.
فليس كل من اختلف معك عدوًا، وليس كل من خالفك يستحق الإلغاء، وليس كل معركة تُعرض عليك هي معركتك.
وأحيانًا تكون الحكمة أن تتراجع خطوة، لا خوفًا ولا ضعفًا، وإنما لكي ترى الصورة كاملة.
فإذا وجدت نفسك غاضبًا من إنسان، أو جماعة، أو منطقة، أو فئة، فتوقف لحظة واسأل:
هل هؤلاء هم المشكلة فعلًا؟
أم أن هناك من يهزُّ الوعاء، ونحن نتقاتل داخله؟
ما أحوج أوطاننا إلى أناسٍ لا يهزون الأوعية، بل يثبتونها....
ما أحوجنا إلى ألسنةٍ تطفئ الفتن بدل أن تنقلها، وما أحوجنا إلى قلوبٍ تتسع للاختلاف، وعقولٍ لا تُستدرج بسهولة، ونفوسٍ تعرف أن الوطن حين يحترق لا يسأل الرماد: من كان على حق؟
في النهاية : الجميع يخسر.
ولعل أرقى صور التقوى في زمن الفتن أن تمتلك شجاعة ألا تكون جزءًا من الفتنة، وأن تسأل قبل أن تحكم، وتتثبت قبل أن تصدق، وتفكر قبل أن تنفعل، وتصلح ما استطعت بدل أن تزيد الشقاق.
فكم من معركة كان يمكن ألا تبدأ لو أن واحدًا فقط رفع رأسه فوق الوعاء، ونظر إلى تلك اليد الخبيثة التي تهزه.
فلا تكن نملةً تتقاتل مع أخيها داخل الوعاء...
كن إنسانًا يملك البصيرة ليرى من يهزُّ الوعاء.