رجل تلبّس بثوب الرجولة منذ نعومة أظفاره، فلم يعش طفولته كبقية الصبيان بين أحضان الأمهات ودلع الآباء، بل كان فارساً يصول ويجول في سهول وهضاب ووديان وجبال اليمن جنوباً وشمالاً كأنه ليث غضنفر، وكما عرفته الذئاب جيداً وخبرت شدته وجسارته وهو طفل صغير، عرفته الرجال وعرفت بأسه وشجاعته فكان موثوق الجانب في كل شيء، شاباً جلداً جسوراً تُعطى له المهام الجسيمة دون خوف ولا وجل، ولا تستغرب إن قلت إن الرئيس سالمين عرفه قبل الثورة وكان لا يستغني عنه وتجده دائماً بقربه في كل الأماكن، وكم تعرّض لكمائن قُتل فيها الكثير ونجاه الله منها بعناية منه ولطف.
إنه تاريخ حافل لفتى لم يبلغ من العمر مبلغ الرجال، تاريخ قبل الثورة وبعدها، ومن صفحاته سجنه من قبل الإنجليز وهروبه من قبضتهم في ملحمة بطولية تروى، وحياته كلها كفاح ومشقة فهو لا تستهويه أماكن الراحة والدعة، لذلك بعد أن صار سالمين رئيساً لم يبقَ معه إلا سنة فقط ثم انتقل إلى الجيش ليواصل طريقه معتمداً على نفسه وليرسم دربه بذاته رغم إصرار الرئيس سالمين على قائد لواء عشرين الجرادي أن ينقله إلى دار الرئاسة، إلا أنه قابل ذلك بالاعتذار للرئيس الذي احترم قراره، وهكذا هو لا يحب الاتكال على أحد مهما كان، رجل صمته أكثر من كلامه وفعله دون منة أو مديح لأن قناعته بحب الوطن أكبر من قناعته بالأشخاص، وقد عُرف بمهارة عالية في الرمي بكل أنواع الأسلحة من المسدس إلى المدفع دون أن يخطئ هدفه، لذلك كان دائماً في مقدمة أي عروض أو مناورات عسكرية في مجال الرماية.
هذا الرجل الذي تم فصله من الجيش وهو قائد كتيبة الدفاع الجوي في لواء عشرين في عام 86 قدّم الكثير ومع ذلك لم يُعط شيئاً وظل منسياً ليس لأنه دون ذكر فذكره يعرفه الرجال الأوائل جيداً، ولكن لأنه لا يطالب بحقه فكل ما قدمه كان يقدمه لوطنه خالصاً، لذلك أهمله القادة الجدد ومن أغرتهم المناصب وحب الدنيا من جيل الأوائل، وظل ذلك الفارس يقاوم المعاناة بصبر وقناعة وأنفة وكبرياء وعزة نفس لم أرها إلا عند القلائل من الناس أو قد لا تجدها في وقتنا الحاضر، فحُرم من حقوقه في الرتب وحُرم من إعطائه قطعة أرض في عدن مثلما أُعطي كل رفاقه من أكبر ضابط حتى أصغرهم، ومع ذلك عاش حياته صابراً قنوعاً بشوشاً محباً للناس غير متذمر حتى فتك به المرض الذي لم يمهله إلا أياماً قليلة ليلقى ربه، لتظهر محبة الناس له في موكب تشييعه الذي كان كبيراً ومهيباً وهو الذي عاش بسيطاً بعيداً عن الأضواء منذ زمن، رحم الله الفقيد المناضل محمد أحمد علي المحوري وأسكنه فسيح جناته.
